المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب كمال عيساوي Headshot

العنف والسِّلم في مسار حركة النّهضة..من التأسيس إلى الثورة التُّونسية "1"

تم النشر: تم التحديث:

أولا: نشأة الحركة الإسلامية في تونس ومراحل تطورها

لم يلتئم الجرح التونسي المضروب في هويته الإسلامية بعد خروج الاستعمار الفرنسي ليأتي من أبناء تونس من يحمل الرسالة الغربية والفلسفة العلمانية، ويسعى إلى تغريب المجتمع التونسي وطمس هويته، لقد شهدت تونس بعد استقلالها استعماراً جديداً كان أشدّ عليها من استعمار العدو الخارجي، إنه استعمار الثقافة والفكر والهويّة، إنه استعمار الابن المناضل عندما يشرب من نبع الحضارة الغربية وفلسفتها العَلمانية. تخرّج الحبيب بورقيبة في جامعة السربون، ونال شهادته الجامعية مرفقة بشهادة الإعجاب والتأثّر المبالغ فيه بالحضارة الغربية والدّولة العلمانية التي كانت نتيجة لطغيان الدّولة الثيوقراطية، لم يدرك بورقيبة الفرق بين دين الإسلام الذي لا يعزل السياسة عن شؤون الحياة الأخرى وبين الدّيانة المسيحية التي استعملها رجال الكنيسة لبسط نفوذهم وتمرير مشاريعهم على حساب الكتاب المقدّس، قام بورقيبة بهجمة عنيفة على كل ما هو إسلامي من عادات وعبادات وتقاليد وحتى مؤسسات؛ فأفطر في نهار رمضان، واعتمد المظهر الغربي في اللّباس، وأغلق جامع الزّيتونة، وتمنى لو أن موقع تونس الجغرافي كان في أوروبا.

كردة فعل لسياسة الحبيب بورقيبة المعادية الإسلام، ظهر من النخبة التونسية الشابة من حمل همّ ومسؤولية الدفاع عن الهوية الإسلامية لتونس، فكان أن أنشأ مجموعة من الشباب التونسي في نهاية الستينات وبقيادة راشد الغنوشي الجماعة الإسلامية؛ لتكون اللّبنة الأولى للحركة الإسلامية الحديثة في تونس، ومشروع استكمالٍ للحركة الإصلاحيّة التي قادها الثّعاليبي والسُّنوسي وغيرهما من علماء تونس.

نشأت الحركة الإسلامية في تونس في بداياتها "الجماعة الإسلامية" تحمل همّ المجتمع التونسي الذي جرى تغريبه عن هويته وعقيدته وثقافته وانتسابه للأمة الإسلامية، فانطلق المشروع الإسلامي يُصحِّح معتقدات الناس ويسعى لإعادتهم لحظيرة الأمة الإسلامية وتوعيتهم بهويتهم وخطر المشروع العلماني البورقيبي.

لقد تركّز عمل الجماعة الإسلامية في الفترة ما بين نهاية الستينات إلى بداية الثمانينات على العمل الدّعوي المقتبس من جماعة التبليغ، والمتأثر بالحركة السلفية الإخوانية، كما يصفها الغنوشي وغيرها من الحركات الإسلامية.

كانت الحركة الإسلامية التونسية الحديثة في بداياتها مزيجاً من توجهات فكرية مختلفة. فقد كان في الحركة من يتبنى التديّن التونسي التقليدي، ومنهم من ينتهج المنهج السلفي الإخواني، وآخرون تديُّنهم عقلاني.

ولقد كان لكلِّ هذه التَّوجهات الفكريَّة دورٌ في صياغة العقلية الإسلامية التي قادت مشروع الحركة الإسلامية، وانتقاله من طور الدّعوة إلى طور السّياسة.

لم تنتبه الجماعة الإسلامية في تونس بعد تأسيسها إلى الواقع الاقتصادي والسِّياسي والاجتماعي للمجتمع التونسي وكان تركيزها دعوي فحسب، إلى أن كان الاحتكاك بالحركات المعارضة الأخرى لتأخذ منها الحركة الإسلامية البُعد الاجتماعي في دراسة وتحليل الأزمة التُّونسية والاحتكاك أكثر بالواقع التونسي، كان للتديُّن العقلاني دور كبير في خروج الحركة الإسلامية من حيّز الدّعوة إلى أفق السِّياسة وفلسفة فقه الواقع، وذلك أن التدين العقلاني جعل النخبة الإسلامية تتعامل بعقلانية أكثر مع الواقع التونسي؛ حيث تراجع التدّين السلفي الإخواني على حساب التديّن العقلاني، ودخلت الحركة الإسلامية مرحلة جديدة من التعامل مع الواقع بأدوات عقلانية تؤوِّل النُّصوص الشرعية بما يتماشى مع الواقع المعاش.

أدركت قيادات الجماعة الإسلامية ضرورة العمل السِّياسي والخوض أكثر وأعمق في المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع التونسي، ولا شك أن الأداة التي بها تحقق الجماعة الإسلامية مبتغاها هي العمل السياسي بتأسيس مظلة قانونية تعلن بها الحركة الإسلامية عملها السياسي وانخراطها في المشروع السياسي في تونس.

أسست الجماعة الإسلامية ما أطلقت عليه تسمية حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981م لتعلن بذلك عن توسيع مجال عملها؛ ليتعدى العمل الدّعوي إلى العمل السّياسي، ولقد ظهر في منهج الجماعة الإسلامية قبل الإعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي ميولها للعمل السياسي، ومن بين مؤشرات التحول من المنهج الدعوي إلى المنهج السّياسي التنظيمي ما كان يظهر في مجلة المعرفة (1972م-1979م) التي كانت تصدرها الحركة من ميول عن الجانب الفكري الثقافي الاجتماعي الأخلاقي إلى المسائل السياسية، وكذلك كان للثورة الإيرانية التي أسقطت نظام الشاه وأعلنت الجمهورية الإسلامية دور في الانتقال الذي حدث في الحركة الإسلامية في تونس من دعوية إلى سياسية.

بقيت حركة الاتجاه الإسلامي تمارس العمل السياسي تحت وطأة وظُلم النظام البورقيبي الذي لم يقبل بتأسيس الحركة الإسلامية لكيان سياسي تندمج به أكثر في الواقع التونسي، فكان أن اشتدت حملات الاعتقال والتعذيب على قيادات الحركة وأبنائها إلى أن توفي بورقيبة؛ ليخلفه ابن علي الذي بدأ مشواره الرئاسي بوعود كانت من بين الأسباب التي جعلت الحركة الإسلامية تنتقل إلى مرحلتها الثالثة، وهي مرحلة تغيير استراتيجيتها بإعادة صياغة قانونها الأساسي وتغيير تسميتها إلى حركة النّهضة سنة 198م.

لم يكن زين العابدين بن علي عند وعوده فشنّ حرباً إعلامية وحملات اعتقالات وقتل وتهجير طالت قيادات حركة النهضة والمنتسبين إليها، لتبدأ الحركة الإسلامية مرحلة صراع مع نظام ابن علي كانت نتيجته آلاف المعتقلين في سجون النظام والعديد من المهجّرين خارج تونس.

نجح نظام ابن علي في إضعاف حركة النهضة، لكنه لم ينجح في وأد مشروعها الإصلاحي لتستمر بقيادة راشد الغنوشي وهو في المهجر، بقيت حالة الحرب معلنة بين نظام ابن علي وحركة النهضة أكثر من عقدين، واكتفى أبناء الحركة بالتنظير وانتقاد النظام الحاكم والمشاركة في المؤتمرات والندوات إلى أن جاءت الثورة التونسية التي أسقطت ابن علي، وأعادت المعارضة التونسية بما فيها حركة النهضة إلى تونس ومرحلة الممارسة السياسية.

بعد سقوط ابن علي دخلت حركة النهضة مرحلتها الرابعة، وهي مرحلة الممارسة السياسية التي لطالما نظَّرت لها فأعادت صياغة القانون الأساسي سنة 2012م، وشاركت ببرنامجها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لتفوز بالأغلبية وتقود حكومتين متتاليتين هما حكومة حمادي الجبالي وعلي العريض، ثم تحل في المرتبة الثانية بعد حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية نهاية 2014م، ويكون لها الدّور الأكبر في كتابة الدّستور التونسي الجديد، وإيصال تونس إلى انتخابات رئاسية لم تشارك فيها.

في مرحلة الممارسة السياسية التي تعتبر اختباراً كبيراً لعقود العمل التنظيري، يرى بعض المحللين السياسيين أن حركة النهضة لم تنجح في ممارستها للسياسة وقيادة الحكومة التونسية، في حين يرى محللون آخرون أن حركة النهضة نجحت في مشروعها السياسي، وأن لها الدّور البارز في كتابة الدستور التونسي وإيصال تونس إلى الانتخبات الرئاسية دون إهمال الدور البارز لحركة النهضة في تجنيب البلاد لسيناريو ليبيا واليمن وسوريا ومصر.

يتبع...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.