المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب كمال عيساوي Headshot

بين إخوان مصر ونهضة تونس..مسلمون لا إسلاميون!

تم النشر: تم التحديث:

استوجبت تجربة الحركة الإسلامية مع الحكم في مصر وتونس التعامل مع الحركات الإسلامية بأسلوب نقد عميق دقيق صادق جريء، لا لغرض الهدم، وإنما بنيَّة الإصلاح، فالنقد البنّاء مطلب إصلاحي، وليس معولاً تهديمياً.

بعد سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم كيانها إلى دول قومية، جاءت ردات فعل كبيرة من الوسط الإسلامي تمثلت في حركات إصلاحية، وقد كان من بين أبرز تلك الحركات حركة الإخوان لحسن البنا، وحزب التحرير للنَّبهاني، والجماعة الإسلامية للمودودي، والحركة السَّلفية بريادة الألباني وابن باز، وغيرها من الحركات التي قادها مصلحون جعلوا على عاتقهم مسؤولية إخراج الأمة المسلمة من واقع الانقسام والضعف والاختلاف.

تباينت الحركات الإسلامية في منهجها في التعامل مع الأزمة وحلِّها، فمن الحركات من رأت بالعمل السياسي، ومنها من اكتفت بالدعوة دون الولوج في السياسة، وكردة فعل من المستشرقين على الحركات الإسلامية التي تبنت العمل السياسي جاءت تسمية الإسلام السياسي لتُهدِّد الإسلام الكامل الشَّامل لجميع شؤون الحياة وتقسيمه إلى إسلام سياسي وغير سياسي.

حتّم العمل السِّياسي على الحركات الإسلامية تضييق دائرة المعنيين بالعمل للمشروع الإسلامي، فنشأت تسمية "إسلامي" تطلق على كل من ينتمي إلى حركة أو حزب إسلامي، ولقد كان لهذا الفعل الذي نحسبه عفوياً دور في أن يسود في المجتمع اليوم مفهوم أن الإسلامي هو السِّياسي الذي يحمل مشروعاً سياسياً إسلامياً.

لكن التساؤل الذي يُطرح ويُعتبر أزمة كبيرة لم تَحسب لها الحركة الإسلامية: ماذا نسمي الطبيب المسلم والمهندس المسلم والسِّياسي المسلم الذين لا ينتمون لأي حركة أو حزب إسلامي؟!. فلا شكَّ أن الطبيب المسلم قد يكون حاملاً لمشروع ورسالة تجديد الفطرة الإبراهيمية المحمدية، وقد يكون رجلاً عادياً همُّه مأكله ومشربه ومنكحه لا غير (وعن الأول مقصدي وحديثي).

كثيرة هي الدروس التي يستوجب على مسلم هذا العصر أن يأخذها بعين الاعتبار من تجربة حكم الإخوان في مصر، فالمشروع الذي انطلق أو تأسس إخوانياً لم تدرك قيادة الإخوان أنه حان الوقت ليرمى إلى الشعب المصري دون تمييز بين من ينتمي للحركة ومن هو في حياد عنها، لقد بدأ في فترة حكم الإخوان في مصر أخونة مؤسسات الدولة بقصد أو دون قصد ولم تدرك قيادة الإخوان تربص الأعداء بها لتقع ضحية تسرعها وانعدام رؤية استراتيجية مستقبلية.

في المقابل نجد تجربة حركة النهضة في تونس التي تعاملت بحذر شديد مع الواقع السياسي، وأدركت ضرورة اندماجها اجتماعياً وسياسياً، وتسبيق مصلحة تونس على مصلحة النهضة، والسر في هذه الاستراتيجية فهم قادة الحركة لطبيعة الصراع وهوية المصارع، ففي حوار مع مؤسس حركة النهضة في تونس، قال راشد الغنوشي:

"لم يكن مسموحاً أنَّ الجزائر بكل طاقاتها وبكل إمكاناتها خلاص تنتقل إلى يد الإسلاميين، ما كان ذلك متاحاً، ولا كان متاحاً في مصر أيضاً، موازين القوى لم تكن تسمح لرئيس إسلامي أن يحكم مصر هذا سابق لأوانه، ولا تسمح لرئيس وزراء في تونس أيضاً أن يستمر في الحكم، حيث موازين القوى لا تتحدد بما تفرزه صناديق الاقتراع، نحن بمنطق الدِّيمقراطية كنا مستحقين للحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول لكن بمنطق موازين القوى لسنا مستحقين للحكم؛ لأن بمنطق الدِّيمقراطية كل مواطن عنده صوت، نحن عندنا أغلبية لكن بموازين القوى ليس هكذا"

(راشد الغنوشي، مقابلة شخصية، حاوره الطيب كمال عيساوي، تونس، 02/06/2015).

إن هذا الفهم الدقيق العميق للواقع السياسي في تونس جعل حركة النهضة تجنِّب تونس سيناريو سوريا، وليبيا، ومصر واليمن. قد يقول القائل إن هذه الاستراتيجية كانت على حساب مبادئ وثوابت لا ينبغي التخلي عنها، لكن المجالس لراشد الغنوشي وعبدالفتاح مورو قد يدرك غير ذلك.

انطلاقاً من تجربة الإسلاميين في مصر وتونس ندرك ضرورة التعامل مع المجتمع كحاضن للمشروع، كما يجب إلغاء المصطلحات المميِّزة كإسلامي وإخواني وتحريري وسلفي وغيرها من المصطلحات المفرقة، لا حاجة لنا لأسلمة الإسلام فقد دفع السابقون ما دفعوا من تضحيات في سبيل الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع المسلم. ليكن المشروع مشروع استكمال ننطلق فيه من أين وصل الأجداد، وأن لا نجعل من الهدف أسلمة المجتمع، بل الهدف هو توجيه المجتمع ليمارس إسلامه، كما يجب أن ندرك أن الحل ليس بيد الطبيب الإسلامي والمهندس الإسلامي والسِّياسي الإسلامي الذين ينتمون إلى هذه الحركة أو ذاك الحزب، إنَّما الحلُّ بيد الطبيب المسلم والمهندس المسلم والسِّياسي المسلم والمفكر المسلم والتاجر المسلم والمعلم المسلم والإسكافي المسلم وغيرهم ممن ينتمون للأمَّة جمعاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.