المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عائشة سالم Headshot

الدمعة الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:

لعل أغلبنا يغفل عن كونه على قيد الحياة، ولعله لم يدرك بعد أن الفرق شاسع بين أن تعيش حياة عادية وبين أن تعيش حياتك حتى لا تكون مجرد ذكرى تنسى كأن لم تكن بعد أيام العزاء.

تذكرت هذه الكلمات ذات صباح وأنا في زيارة صديقة للعائلة كانت الأمور بخير، ثم غادرت المنزل على أن تعود بعد قليل.. في ذلك القليل عشت أسوأ كابوس يمكن أن نصادفه، انبعثت رائحة الدخان من المطبخ فأصبتُ بالفزع الشديد هرولت لا ألوي على شيء للخروج، لكن الباب كان موصداً بشدة، وما من أحد معي أو حتى بالجوار للإنقاذ أو النجدة، كنت قد أجريت عملية جراحية منذ مدة قصيرة ولم أكن أقوى على ضرب الباب أو الضغط عليه عسى أن يسمعني أحد!! لقد شعرت بالسوء ونبض قلبي بشدة؛ أهذه هي النهاية!؟ وكنت عاجزة عن فعل أي شيء لقد كنت عاجزة تماماً! زادت كثافة الدخان وعمّ المكان وبقيت بلا حراك أنتظر الموت وأنا حبيسة النيران، أنقذني يا الله صرخت بكل قوتي لا أريد أن أموت الآن! ثم مسحت دمعتي الأخيرة وبدأت أفكر في حياتي وأيامي التي مضت، فكرت في صلاتي التي كنت أصلّيها وأنا على عجل وكان ظهري فقط ينحني فيها دون أن ينحني قلبي، فكرت في صيامي الذي لم يكن صياماً عن اللغو ولم يكن صياماً عن الحقد والشر.

فكرت في الحج الأكبر وفكرت في حجنا الذي كنت أراه يوحّد المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم فلم يتحدوا رغم ذلك ولم يكونوا على قلب رجل واحد ولم يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ولم يكونوا كالجسد الواحد إذا تألم عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر!

كلا لم نكن كذلك! بل كان هنالك مزيد من التنازع يتلوه مزيد من الشقاق ونحن أمة واحدة ندمت لأن الأبدان حجت دون أن تحج القلوب! فكرت في الفقراء المنسيين وكيف أني لو منحت مزيداً من العمر أو اقتطعت وقتاً من عمري الذي ضاع سدى لمنحتهم المال الذي كنت أجمعه فكرت، في الذين لم نرحم دموعهم من البائسين والذين تقطعت بهم السبل من مشرد وجائع يبيت ليله طاوياً وأصوات الملاعق في بيوتنا تملأ الأسماع، وتلك أرملة مات عنها زوجها وترك لها أولئك اليتامى الصغار فنال اليأس منهم وعبث الهم بقلوبهم حتى آثروا الموت على الحياة!


كأنني نسيت ما تعلمت في صغري وما رتلت في طفولتي وما كتبته بيميني: إن الراحمين يرحمهم الرحمن! الآن فقط تذكرت أن علي الرحمة بهم! كأني لم أسمع أنفاس أنينهم ووجع حرمانهم إلا الآن! تذكرت هدهد سليمان وكيف قطع المسافات إلى سبأ ليعبد الله وحده فتسلم مملكة بأسرها وتدخل مطيعة في دين الله ولقد قرأتها مراراً (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) بينما كنت أكتفي من الإسلام بأني مسلمة وسعيدة أن غيري سيكون في النار!

تذكرت العصاة والمذنبين وحتى زميلي الملحد ولم أبن لهم الطريق؟ بينما سار الهدهد داعياً للتوحيد حتى خلّد سعيه! تذكرت جشعي وحبي للسلطة والشهرة وكيف ننجز الأعمال فتخرج هزيلة مشوهة ولو أعدها غيرنا لكانت مجودة متقنة لنتعلل بأن لهم الدنيا وأن لنا الآخرة! فلا نعد للأمانة مكاناً ونحن الذين نعلم أن الله كتب الإحسان على كل شيء وأن الله يرحم العبد إذا عمل عملاً فأتقنه، تمنيت لو كان عندي متسع من الوقت كي أتغير! لقد ندمت على العمر الذي مضى وعلى الموت الذي أتى وأنا التي لم تعش حياة حقيقية! بل حياة غفلة وطول أمل وسوء صنيع!

كيف أصبحت رقماً مع الذين عاشوا الحياة صفراً بعد الفاصلة دون إنجازات تذكر! مسحت دموعي الأخيرة وربما يمسح الآلاف غيري دموعهم الأخيرة كل يوم لكن هنالك فرقاً بين من يترك الأثر وبين من يموت وكان قبل موته من الأموات! فجأة سمعت صوتاً كأنه صوت الغريب الذي أتى من بعيد لقد كان صوت مفتاح تحركه أنامل الفرح بالنجاة فتحت عيني بعد يأس رأيت النور مسحت الحزن الحمد لله الذي نجاني من النار!

بعد ذلك أدركت جلياً أنه أن تكون مسلماً فإنه ينبغي أن تكون على قيد الحياة بصلاتك وصيامك وحجك ورحمتك وإنسانيتك وطموحك وإيجابيتك ورحمتك بالناس أجمعين وإن قامت الساعة وفي يدك فسيلة فلتغرسها حتى وإن انتهت الحياة! لا أن تكون غافلاً ميتاً بين الأحياء، وأدركت أننا جميعاً ولئن أخطأنا الموت اليوم فإنه لن يخطئنا غداً وأدركتُ أن الموت ليس هو النهاية وإنما الحياة حياة الخالدين الذين تركوا الآثار الباقية لنواصل الطريق الذي سلكوه لا أن نركن ونخلد إلى الأرض، سنمضي قريباً فطوبى لمن اغتنم الحياة وفاز من كانت حياته إنجازاً وصعد القمة، ثم مضيت إلى سبيلي وأنا أقول:
ستمضي قريباً بأمر القدر وتغدو رفاتاً ويبقى الأثر فلا تنتظر دمعتك الأخيرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.