المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عائشة بن يحيى Headshot

الحسناء "2"

تم النشر: تم التحديث:

عادت إلى القرية كسيرة جريحة، شعور بالظلم والقهر يمتزج بالصدمة والحزن، خوف من المستقبل، من نظرة الناس، من احتقار الأهل، فقد صارت مطلقة، أي عاراً، فالمطلقة فاشلة، ووصمة عار على القبيلة، بكت في الطريق بسخاء؛ لأنها قررت ألا يرى أحد في القرية دمعتها، ولا يسمع أحد شكاتها، فما دام علي قد غدر فكل الناس يغدرون.

رجعت حسناء لعادتها القديمة، رجعت للشقاء اليومي في بيت أبيها، لكن هذه المرة ذليلة، متفضلاً عليها، لا تفوت مناسبة للنبش في جرحها، "الهجالة" هكذا صار الآخرون ينعتونها، أفرغت طاقة غضبها في العمل، ورضيت بقدرها وهي على يقين أن الله سيفرج كربتها.

انقضت عدتها، وبدأت تفكر في الزواج من جديد، وفعلاً تزوجت من أحد أبناء الحضر، وفي زحام معاناتها نسيت ابنتها، انتقلت لبيت زوجها الجديد، وخلّفتها عند جديها.

كان زوجها طيباً، لكنه كان بخيلاً، وأقبح خصلة في الزوج البخل، صبرت لأيام على تضييقه في النفقة على البيت، ثم ربطت علاقات مع جاراتها فكانت تخدمهن، تغسل ملابس هذه، وتنظف بيت تلك، وتحمل القفة عن أخرى وهكذا.. مقابل دريهمات أو طعام أو كسوة، صارت حسناء ابنة الفلاح الكبير خادمة في البيوت، لكن ظلم الغرباء أهون من ظلم ذوي القربى، فصبرت لأنه قدرها.

حملت وأنجبت، فلم يتغير للحسن حال، بخله لم يعرف الجاحظ مثله، فينافس فيه، توقفت عن العمل، فقطعت عنها مساعدات الجارات، استأذنت زوجها أن تذهب لبيت والدها لأيام لعلها تنال من عطفه القليل الذي يكفيها، لكن بعد يومين من وصولها للقرية، توصلت برسالة تخبرها أنها طالق.

نسيت أوجاع النفاس، فعادت للحسن لتعرف السبب، ماذا اقترفت؟ لِمَ طلّقها؟ ولم يكن هنالك سبب سوى أن للحسن خصلة أخرى غير البخل تجهلها بينما يعرفها كل سكان المدينة، فلحسن الطيب هذا كان مزواجاً، يتزوج كل عام ويطلق، له أبناء في كل مكان، وقد حان دورها، وانتهت صلاحيتها عنده، فالإنجاب بالنسبة له دعوة للتجديد، ندبت حسناء حظها، ولأن لحسن لم يكن يحب كثرة الجدال أرجعها (لدورة استدراكية جديدة)، عاشت معه سنة أخرى، ثم كان ما توقعته طلاقاً لا رجعة فيه، عادت من جديد للقرية "هجالة للمرة الثالثة"، هجالة وأم لثلاثة أبناء، فكثرت الأقاويل، وحيكت القصص حولها، فجمال المرأة يستعمل ضدها في مثل هذه الظروف.

كانت عودتها هذه المرة مزعجة أكثر لأهلها، فلم تعد قوية بما يكفي للعمل، ووجود ثلاثة أطفال حمل ثقيل، فقرر والدها أن يزوجها من جديد، لكن هذه المرة سيختار لها زوجاً "مضموناً" كما سماه، وفعلاً زوّجها من أحد أثرياء المدينة، بل كان أستاذاً باحثاً، كان أكبر منها بعشرين سنة، لكنه كان وسيماً جميل الكلمات، سحرها من أول يوم زارهم فيه بلباقته ورقي تعامله، فتزوجته وانتقلت للعيش ببيته الكبير بالمدينة، وفي غمرة فرحتها بحقائب الهدايا وعذوبة الكلمات نسيت أطفالها الثلاثة وغادرت وخلفتهم وراءها؛ لتعيش قصة جديدة لاهثة خلف سراب السعادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.