المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد صلاح  Headshot

بعد ثلاث سنوات.. ما أخبرتني به "رابعة"

تم النشر: تم التحديث:

الرابع عشر من أغسطس/آب الذكري السنوية للمجزرة التي غيرت مفاهيمي عن الدين والوطن إلى الأبد.

خلال السنوات القليلة الماضية بكينا وتألمنا ورثينا الكثير من الأصدقاء، لكن هذه السنة وفي هذه اللحظة وبعد 3 سنوات على المجزرة أعتقد أن تفسيرنا وفهمنا للأحداث لا بد أن يكون مختلفاً عما قبل الفض.

البداية بالنسبة لي لم تكن يوم 14 أغسطس 2013 إنما قبلها بسنة كاملة عند انتخابات الرئاسة لعام 2012، في ذلك الوقت كان إيماني بالثورة لا يضاهيه أي إيمان آخر، أتذكر أنني قررت وقتذاك وبمنتهى البساطة أن ألغي قيدي في نقابة المحامين وأشتغل كمصور على أمل أن أقدر يوماً ما أن أحقق حلمي في أن أكون مخرجاً سينمائياً، وقررت بمنتهى البساطة أيضاً أن أعتنق مبادئ المساواة والحريات سواء للمرأة أو للأقليات الدينية أو العرقية حتى لو تعارضت مع الدين، الذي أصبح أقل أهمية من الثورة بالنسبة لي.

انتخابات الرئاسة كانت الاختبار الأول لكل الادعاءات الثورية التي احتكرها التيار المدني لنفسه من بداية الثورة، وصولاً إلى تلك الانتخابات التي اتضح حينها أنها مجرد ادعاءات بعد ما فشل مرشحو الثورة في التحالف والتوحد وراء مرشح واحد، وفتتوا ما يقارب الـ10 مليون صوت التي كان من ممكناً بمنتهى البساطة أن تحسم المعركة لصالح تيار الثورة. وقرر بعدها نفس المرشحين مع مئات الآلاف من ناخبيهم أن ينقلبوا على النتيجة ويحاولوا تشكيل مجلس رئاسي مدني في التحرير بحجة "إنقاذ الثورة:.

بالنسبة لي التجارة بالدين أقل جرماً من التجارة بالثورة، وحق الشهيد الذي تم اتخاذه كحجة من قبل إخواننا المرشحين الثوريين للانقلاب على اختيارات الشعب ومحاولة إفشال الانتخابات التي كانوا جزءاً منها، هذه كانت المرة الأولى بالنسبة لي التي أرى التيار الثوري أو أغلب المنتمين له يفقدون التمييز ما بين مصلحة الثورة ومصالحهم السياسية، ويتاجرون بالثورة، وبحق الشهيد في سبيل السلطة التي دائماً ما اتهموا الإخوان باستخدام الدين للوصول لها، ومع ذلك كان هذا في نظري مجرد خطأ ممارسة لا أكثر ولا أقل.

أما رأيي في نجاح الإخوان حينها هو أنه كان فرصة لإسقاط الإسلاميين بشكل عام؛ حيث كان رأيي أنهم كتيار سيفشلون في حكم البلاد؛ حيث إنني أرى أن الدين لا يصلح للنهوض اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً ببلد مثل مصر، وأنها ستكون فرصة مواتية ليعرف مؤيدوهم أن شعار الدين وحده لا يكفي لتلبية احتياجاتهم وطموحاتهم، إلى جانب أننا بأقل قدر من التنظيم والعمل الجماهيري سنكون قادرين على أن نكون تياراً علمانياً أو مدنياً نصل به للجماهير كبديل للإخوان الذين خلال سنة واحدة قدروا أن يفقدوا ثقه الشعب فيهم، وأصبح من السهل إسقاطهم بنفس الآلية التي وصلوا بها للحكم.

لكن المفاجأة بالنسبة لي كانت في فشل العلمانيين أو الثوريين في تكوين حزب أو تجمع قادر على وراثة تركة اليمين الإسلامي، إلى جانب أنه خلال ذلك العام اتضح بالنسبة لي أن شرف الخصومة ومصلحة البلاد هي آخر ما يفكر فيها التيار الذي خسر السلطة أمام الإخوان في 2016.

هذا التاريخ من الفُجر في الخصومة ممتد على طول أحداث الثورة؛ حيث إنه لا يتوقف عند اتفاق أطراف ثوريين مع رموز من نظام مبارك صيغة توافق من أجل اختلاق أزمات تجعل البلاد والعباد ينزفون، وهو ما يسمى ببساطة "خيانة عظمي"، وأيضاً، أحداث محمد محمود التي رفع فيها شعار "حق الشهيد"، لكنني أؤكد أن هذا الشعار الذي رفع هو آخر ما كان يفكر به أغلب المشاركين في ذكراها في زمن الإخوان، ولكن الهدف الرئيسي كان افتعال أزمات سياسية للضغط على نظام الإخوان المنتخب الذي أراه كتيار فاشي لا يعتمد عليه في إنجاح ثورة اتخذت من الحرية شعاراً أولاً لها.

لكن تبقى صدمتي الكبرى في أغلب المنتمين للتيار الثوري أو العلماني الذين كانوا على استعداد للتضحية بالوطن في سبيل إسقاط الإخوان.

30 يونيو/حزيران كانت الحلقة الأخيرة من الصراع ما بين تيار ديني على درجة عالية من التنظيم وصل للسلطة فعلياً من خلال انتخابات ديمقراطية رغم أنف كل محاولات إزاحته التي بدأت بمهزلة محاولة تشكيل المجلس الرئاسي المدني، ومروراً بتأخير نتيجة الإعادة بين مرسي وشفيق، التي أثق تماماً أنها كانت في صالح مرسي، وأن قوى إقليمية منها الإمارات والسعودية الرعاة الرسميين لانقلاب يونيو حاولوا تغييرها، وعام كامل تآمرت فيه الدولة على الرئيس الشرعي، علماً بأنني ما زلت أرى مرسي كرئيس فاشل وغير ثوري، وبين مؤسسات الدولة التي حاولت من 2011 استعادة نظام مبارك من جديد.

ولذلك أود أن أقول إن اليوم وبعد 3 سنين من المجزرة صرت أرى رابعة بشكل مختلف؛ أرى أشخاصها كأبطال عندهم من الصدق والتفاني ما يكفي للموت من أجل ما يؤمنون به حتى ولو كان الموت من أجل السلطة أو الشرعية. الذي حدث في 30 يونيو كان خيانة للوطن، أما رابعة فكانت مثالاً لعدم التفريط في الحق في مواجهة خصوم أقل نزاهة، لكن أكثر ادعاء و"حفلطة"، ومن الطريف أن الذين اتهموا الإخوان بأنهم ماتوا من أجل الكرسي أغلبهم بالفعل حاول إسقاط البلد في الفوضى لمجرد خسارته الانتخابات بدعوى حق الشهيد.

أريد أيضاً أن أقول وبعد 3 سنين إن مجزرة فض رابعة كشفت عن أن الإخوان لم يكونوا الطرف الأكثر انتهازية، بقدر ما كانوا الطرف الأكثر غباء.

في النهاية، أود أن أقول إنني لم أرَ في حياتي ما هو أكثر بربرية من عملية فض رابعة، ومع كل الدعم الشعبي لمجزرة فض رابعة، في النهاية وجدت نفسي أمام حقيقة واحدة هي أن مصر ليست الوطن الذي يستحق التضحية والإيمان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.