المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ناجي Headshot

حجر معسل على كوكب بلوتو

تم النشر: تم التحديث:

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب مقالي هذا، خوفًا من أن يتهمني من يرى إننا نعيش في الجنة ونعيمها بـ"نشر الغسيل اللامؤاخذة" أمام الناس؛ لكن حين أيقنت أن حل المشكلة يكمن في الاعتراف بها، ومواجهتها، وإيجاد حل لها، شرعت في كتابته، لعل وعسى أن يعترف بها شخصٌ ما على هذا الكوكب، لذلك دعوني أروي لكم في السطور القادمة "قصة قصيرة حزينة"، سيشعر بها من يتطلع لأن يكون إنسانًا فعليًا؛ وليس مجرد حفيدًا من أحفاد أبو البشر، لذلك.. إن كنت ممن يظنون إننا من أهل الجنة، عذرًا.. هذا المقال ليس لك.

دون تفاصيل مُملة، ألتقيت أحد أصدقائي المُقربين صُدفة بالشارع، فدعاني للجلوس معه على أحد المقاهي لتناول القهوة والتحدث قليلًا؛ قَبلِت دعوته على مضض، خوفًا من تأخّر الوقت، وأن يؤثر ذلك على عدد سويعات نومي القلائل، لأجد نفسي جالسًا مع صديقي هذا وغريبين آخرين.. لحظات وتابع كلٌ منهم الحديث الذي دار قبل وصولي، لأجدهم يتحدثون في "السياسة"، وأحوال البلد وما يحدث فيها، فاقشعر بدني - لا أعلم خوفًا أم اشمئزازًا - لكني فضلت عدم الخوض في هذا الحديث، وفضلّت تصفّح "فيسبوك".
"ولّا إيه رأي الأستاذ؟".. جُملة بادر بها أحد الرجلين اللذين كانا يجلسان معنا كنوع من "جَر الرِجل في الكلام"، فطلبت منه معتذرًا أن يعيد عليّ ما كان يتحدث فيه، معللًا انشغالي في هاتفي، فحدّثني بصوت عكر صفاءه دخان الشيشة: "حال البلد ينصلح ولا لأ.. مش فارقة كتير.. المهم بس الأكلة والنومة وحجر المعسر ده"، بحثت داخل عقلي عن إجابة عن رأيي، فلم أجد ردًا أكثر حكمة غير إيماءة رأس غير مفيدة بالسلب أو الإيجاب، فاستطرد كلامه وهو يسحب نفسًا عميقًا من شيشته "أهو حجر الشيشة ده أهم حاجة في الدنيا.. فعلًا.. خراب يا دنيا.. عمار يا دماغي!".
جملته الأخيرة استفزتني، فتناسيت كل ما يُقلقني، ووجدت نفسي اسأله عن طبيعة دراسته وعمله، فأخبرني أنّه مواطن من فئة "على باب الله.. يوم شغل وعشرة مافيش"، أما عن الدراسة فلم يكملها لطبيعة الحياة الصعبة في مصر الحبيبة، رزقه الله بـ"5 أولاد" فوزع الأُميّة عليهم بالتساوي بحسب مبدأ "هو التعليم عمل إيه يعني؟"، لم أجد وقتها إلا الصمت ردًا بليغًا، وفي عقلي يدور صراع حول ما آل إليه حال وطني، ليس في الوقت الحالي، لكن منذ نعومة أظافر هذا الرجل الخمسيني، أو قبل ذلك بقليل.

لا أعرف السبب تحديدًا، لكن بعد أن غادرت هذه الجلسة المأساوية، داعبت ذاكرتي الأخبار التي أرصدها يوميًا بحكم عملي كـ"صحفي"، فتذكّرت ما يقوم به مجموعة من العلماء بمعهد "علوم البيئة التطبيقية" من دراسات، لإعادة إحياء الحيوانات المنقرضة من آلاف السنين، غير الفريق العلمي بجامعة "كوجاكوين" اليابانية، الذي اخترع بطارية "شفافة تمامًا" تشحن بأشعة الشمس، ويحاولون تطويرها لتصبح نوافذ للمنازل الذكية، وتحل محل الخلايا الشمسية، وما قامت به وكالة الفضاء الأوروبية، بإرسال عينات من "البكتيريا والأنسجة وبعض الخلايا الحية" للفضاء المفتوح، لدراسة إمكانية تأقّلمها مع الفضاء وأشعة الشمس المباشرة بدون الغلاف الجوي، غير أن وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" طوّرت "فلتر مياه" لتحويل مياه "البول" إلى مياه صالحة تمامًا للشرب؛ كلها اكتشافات واختراعات ستحتاج إليها البشرية لاحقًا، وللإنصاف فرُبما هذه المقارنة تكون غير عادلة بين عُلماء في دول متقدمة، ورجل مُسن أُمّي، أجبره القدر على الحياة في "أم الدنيا".

لكن دعوني أذكر مثالًا من دولة أخرى، وهو الشاب سكوت سي وارينج، شاب أمريكي عادي ليس عالمًا أو مفكرًا أو فيلسوفًا، لكن شغفه بما هو جديد جعله يبحث في صور مسبار "روزيتا" الخاص بالمذنب "بي-67"، ليكتشف وجود هيكل إنسان آلي متجمد على سطحه، وهذا هو الفارق الوحيد بيننا وبينهم، ففي الدول المتقدمة التفكير خارج الأفق تمامًا، لكن المثال الذي فرض نفسه أمامي واستوحيت منه مقالي هذا يفكر ويحمل على كاهله "همّ" أبسط حقوقه كـ"إنسان".

بطل المقال بكل أسف ليس جانيًا، وإنما مجني عليه مع سبق الإصرار والترصد، واسمحوا لي أن استضيف في مقالي هذا أحد الجُناة، خاصة وأنه ارتكب جريمة منذ أيام قليلة في حق من يثقون فيه وفي برنامجه وفي رأيه كإعلامي، الإعلامي "تامر أمين"، نسب كل ما يحدث من اضطرابات أرضية أو زلازل أو براكين أو أمواج تسونامي إلى "المجلس الأعلى للعالم"، ضاربًا بقوانين الجيولوجيا عرض الحائط، دون الالتفات نهائيًا للعلم، كما نسب لهذا المجلس من خلال برنامجه الذي يُذاع على أحد القنوات الفضائية، كل ما يحدث من شرور العالم من حروب وتجارة أسلحة.. إلى آخره، ووصفه إنه أعلى من أكبر دول العالم، ثم عاد ليقول إن بعض الدول استطاعت تطوير تكنولوجيا للتحكم في الطبيعة، بل وتمكنها من التحكم في نيزكٍ ما، وتدمير أي دولة معادية؛ ولم يكتفِ بهذا فقط، بل زاد عليه بقوله إنه نسب بعض الأحداث في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا إلى "المجلس الأعلى للعالم" أو كما نعته بـ"مجلس الصهيونية العالمية".

تخيلوا كم هذا العبث الذي قيل في الفقرة السابقة، إذا سمعه مواطن مثل صديقنا هذا، وهو يعتقد بفطرته، إن الإعلام هو وسيلة المعرفة الوحيدة بما يحدث حولنا، تخيلوا كيف سيكون وقع هذا الكلام عليه، وكيف سيصدقه بل ويؤمن به، ويمكن أن يحاول نشره بين أقرانه ظنًا منه إنه يوعيهم، لكنه في الحقيقة ينشر أخطر أوبئة العالم فتكًا، وهو "الجهل".
وأخيرًا.. بعد كل ما سردته لكم، أود أن أطرح فكرة جالت في رأسي، وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" أرسلت عام 2006 المسبار "نيو هورايزونز"، في بعثة لاكتشاف أبعد كواكب المجموعة الشمسية "بلوتو"، ودراسته، وبحث سُبل الحياة عليه؛ فتخيلوا معي بهذا الشعب وبهذا الإعلام.. ماذا لو امتلكت مصر وكالة فضاء بعد مئات السنين، ونجحت في إرسال رحلة مأهولة إلى هناك، فهل سيكون حلم المصري، حجر "معسّل" على كوكب "بلوتو"؟.