المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد علي حاشي Headshot

الربيع المجهض!

تم النشر: تم التحديث:

كان من المنتظر أن يغير الربيع العربي واقع الحال في المجتمعات المنتفضة، لكن سرعان ما حكم على هذا الحراك الشعبي بالفشل؛ لأن هذه الانتفاضات لم تكن محكمة بالشكل الكافي، حيث اقتصرت فحسب على التوجه ضد السلطة، الحزب أو الجماعة الحاكمة، ولم تقم ضد العلائق الاجتماعية والعوائد الأخلاقية والأساليب الفكرية والقيم الثقافية، مما من شأنه أن يمكنها من أن تعيد النظر في مفهومات الإنسان، والمجتمع، والفكر والتاريخ.

فعلى الرغم من استبدال الأنظمة فإن أهداف الانتفاضات سرعان ما كانت عرضة في أغلب الأحيان لمقاومة قوى المحافظة والتقليد المنطوية على نفسها، والتي لا تؤمن لا بالنظم الديمقراطية ولا بتعدد الآراء واختلاف المواقف.

إننا نواجه واقعاً قد نسميه تأخراً، تطوراً معاقاً أو تنمية غير متكافئة، لا يهم أن نعرف من المسؤول عنه أو كيف حصل، ما يهمنا جميعاً هو كيف نتخطى حدود الذات، كيف نتعرف على أنفسنا انطلاقاً منا لا بالمقارنة مع غيرنا، كيف ننهي ما تعودنا عليه من غربة ذهنية وانفصال عن الطبيعة.. هذا وحده يعني ثورة ثقافية، نقلة نوعية من موقع تاريخي إلى آخر أعلى وهو ما لم يتحقق لنا بعد.

لا بد أن نقبل جميعاً واقع الاختلاف، وأن نتوقف عن الحلم بإجماع وهمي، وهذا أحد شروط نجاح الثورة، ها قد مر على استقلال الأقطار المغاربية والعربية ما يقارب عقداً من الزمن أو أكثر، ورغم ما تروجه أبواق الدعاية الرسمية، ليست المعضلة الجوهرية في بلادنا اقتصادية بقدر ما هي ثقافية وسياسية.

لا يمكن بأي حال تجاوز التخلف الاقتصادي دون تشخيص ومكافحة التخلف الاجتماعي والثقافي، وبالتالي فحص إرثنا التاريخي القريب والبعيد، ولنا في هذا الصدد بعض الملاحظات.

يحق لنا أن نفتخر بمبادئ الإسلام الداعية إلى العدل والمساواة، لكن يجب أن نميز بين المبادئ المجردة والنظم المتولدة عنها. فبالمغرب مثلاً أقيمت ثم ترسخت أجهزة إدارية وتراتيب سلطانية، إن لم نقل تحجرت عبر القرون، سيما تحت الضغط الأجنبي في القرن الماضي، لم يكن ولن يكون هذا التراث في مستوى متطلبات مجتمع حديث.

ما نريد قوله إن على السلطة أن تقوم على مبدأ الخدمة لا على مفهوم القهر، إزاء مظاهر التسلط اعتاد السكان إما الخضوع وإما العصيان، وهو ما يعرف بـ"السيبة" عند أهل المغرب.

في هذه الظروف ظهرت مواقف سلبية كالانزواء، والمقاطعة، والترفع، والعشوائية والتهاون كرد على جور وسفه الحكام المحليين؛ لكن هذا لا يساعد بحال من الأحوال على البناء والتشييد؛ لذلك لا بد أن يتحرر منها الفرد، لا بواسطة العنف لأن هذا منافٍ للغرض، بل بالإقناع إذ دلت التجربة المطردة أن عبث الحكام يرتكز على يأس المحكومين.

إن المعضلة في مجتمعنا ثقافية من جهة أولى، فتقتضي ضرورة توحيد المجتمع، بدءاً بالشباب عن طريق تذويب الفوارق الموروثة، التي تكتسي أحياناً سماكة تؤدي إلى انغلاق كل فئة على نفسها، كما لو كنا نعيش في نظام تراتبي "هندوسي".

من جهة أخرى أنها معضلة سياسية، فيستلزم التغلب عليها إشراك الجميع في تحمل المسؤولية، سيما على المستوى المحلي، بهدف محو كل أشكال السلوك السلبي الانزوائي، وحتى يتحقق بعد طول انتظار انغماس الدولة في صلب المجتمع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.