المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Ahmed Zewail Headshot

دائرة القدر: من مكتبة الإسكندرية إلى مدينة العلوم والتكنولوجيا الجديدة في مصر

تم النشر: تم التحديث:

المعرفة تجعل العالم يدور. ورحلتي التي دارت حول المعرفة يُمكنها، كما أتمنَّى، أن تكون سبباً في ميلاد «ربيع علمي» في الشرق الأوسط بإكمال دائرةٍ بدأت منذ 70 عاماً. دائرة القدر التي أخذتني من دلتا النيل، التي كانت ذات يومٍ قِبلة التعلُّم في زمانها، إلى ذلك المعبد البعيد من معابد العلم في عالمنا اليوم، معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، إلى الحصول على جائزة نوبل، ثمَّ إلى مصر مرةً أخرى، حيث نبني «كالتك» للشرق الأوسط "مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا"..

وُلدتُ في مدينة دمنهور المصرية، ونشأت في أرضٍ ذات حضارةٍ ومعرفة مُتقدمة ازدهرت في حقبةٍ «بطليموس» بميلاد مكتبة الإسكندرية، ومتحف، ومركز تعليمي، لكن مصيرها كان الدمار على يد الرومان الغزاة. قضيت طفولتي في مدينة دسوق، على مقربةٍ من المكان الذي اكتُشف فيه حجر رشيد. وأُقيمت في مصر أيضاً أوَّل جامعةٍ في «العالم الحديث»: جامعة الأزهر، التي أُنشئت بين عامي 970 و972 بعد الميلاد، وجامعة القاهرة التي أُنشئت منذ قرن.

حين ذهبتُ إلى جامعة الإسكندرية في ستينيات القرن الماضي، تجلَّى أثر هذا التراث في تعليمي، الذي كان ممتازاً حقًّا. لكن في الخمسين سنة الماضية، تعرَّض التعليم، ومعه البحث العلمي والتنمية، إلى عملية تجريف مُتكاملة بسبب إهمال كبار المسؤولين الحكوميين المصريين. ومما يدعو إلى الحزن أنَّ التعليم المصري لا يحتل مركزاً بين أفضل 100 دولة في مجال التعليم حسب تصنيف الأمم المتحدة. لكن مصر، بشعبها الشاب الذي يبلغ تعداده 90 مليون نسمة، يجب أن تكون قائدةً في المنطقة.

حين وصلتُ إلى «كالتك» مُدرساً مساعداً في سبعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة الأميركية (مثلما هي الآن) رائدة مجال البحث العلمي في العالم، الأمر الذي يُسهم فيه «كالتك» والمؤسسات الأميركية المماثلة بقدرٍ كبير.

إنَّ القوة الفكرية الخارقة في «كالتك» تتضح في حرمها الجامعي الذي يضم نخبةً من حائزي جائزة نوبل: ريتشارد فاينمان، وموري جيلمان، وروجر سبيري، وكارل أندرسون، والكثير غيرهم. على سبيل المثال، اكتشف مارتن شميت النجوم الزائفة (quasars)، واختُرع مقياس ريختر هنا، وتمَّ تحديد عمر الأرض هنا بواسطة كلير باترسون. وتضم قائمة خريجي «كالتك»: جوردون مور، وويليام شوكلي، وتشارلز تاونز، ولينوس بولينغ.

ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن معهد «كالتك» هو إحدى أهم المؤسسات الحاضنة للتقدُّم العلمي في العالم. إنَّ بيئتها الداعمة للبحث العلمي بصورةٍ مُتفرِّدةٍ مكَّنتني وفريقي البحثي من اكتشاف طريقة تسجيل الأحداث الواقعة على مستوى الذرَّة في زمنٍ يُقدَّر بواحد من المليون في الواحد من مليار من الثانية، أو "الفيمتو ثانية". وهو التطوُّر الذي حصلت لأجله على جائزة نوبل في عام 1999. ومكَّنني «كالتك» في مساري المهني بعد الحصول على «نوبل» من تطوير حقلٍ علميٍ جديد يُدعى «الميكروسكوب الإلكتروني رباعي الأبعاد» (4D Electron Microscopy) الذي يُحوِّل العملية فصل الجزيئات في المكان والزمان معاً؛ مما يُمكِّن من تصوُّر الهياكل الذرية في المكان -في مساحة نانوميتر أو أقل- وفي الزمان -فيمتو ثانية- وربَّما الـ«أتو ثانية» في المستقبل. إحداثيات «كالتك» لتحقيق هذه النجاحات مكوَّنة من ثلاث قواعد: لا حدَّ لما يمكننا تحقيقه، وتقدير مكانة البحث العلمي المدفوع بالفُضُول، وسخاء الدعم الفكري والتقني.

منذ أوَّل أيامي في «كالتك»، حلمت ببناء معهدٍ مثله في وطني. إنَّ مؤسسة علمية مثل «كالتك» ستكون لمصر أساساً للتطوُّر المجتمعي الذي ورَّثه العقل العلمي للدول الغربية المُتقدمة. وكانت جائزة نوبل هي بطاقة دعوتي.

لم تكُن مكافأتي على جائزة نوبل هي التعيين أستاذاً دائماً في «كالتك» فحسب، بل تمَّت ترقيتي لأصبح «مواطناً عالمياً» يقع على عاتقه واجب حماية قيمة العقل وأن أكون سفيراً لها.

وعبر السنوات التي تَلَت دُعيت لأكون عضواً في مجلس الرئيس باراك أوباما الاستشاري للعلوم والتكنولوجيا، والمجلس الاستشاري للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجلس الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؛ وهي دعوات قبلتها جميعاً. وكنت أيضاً أوَّل مبعوثٍ علميٍ للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط.

كالتك للشرق الأوسط

وفي هذه الأدوار المُتعلقة بالشأن العالمي التي أقوم بها، ركَّزت طاقتي وعزمي، قبل كل شيء، على إنشاء مدينة معرفة للعلوم والتكنولوجيا في مصر، على أمل أنَّها ستصبح يوماً «كالتك الشرق الأوسط». إنَّ بناء قاعدة علمية حديثة في مصر هو عملٌ على أرض الواقع، يتطلب صبراً، ومثابرةً، وقدرةً على التأثير. الهدف هو تمكين مصر من المشاركة في «اقتصاد المعرفة» في العالم، وحيازة مكانة جديدة في البحث والتطوير والتعليم، بفخرٍ سيسهم، في رأيي، في تسهيل عملية السلام في الشرق الأوسط.

عرضت فكرة مشروع المدينة في عام 1999 للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك. ولسنوات توقَّف المشروع بسبب الركود الذي اتسمت به تلك السنوات الضائعة. ولكن أُعيد إحياء المشروع بعد ثورة يناير 2011. قرَّرت الحكومة المصرية تأسيس المدينة باعتبارها «المشروع القومي للنهضة العلمية»، وأسمتها «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا». تمَّ افتتاح المدينة في نوفمبر 2011 في حرمٍ جامعيٍ في ضواحي القاهرة.

إنَّ مدينة زويل فريدةٌ من نوعها في نواحٍ عدة. أولاً؛ بُنيت المدينة من تبرعات الشعب المصري والحكومة بطريقة لم يسبق لها مثيلٌ في مصر بالتأكيد. وقد أمر الرئيس الهيئة الهندسة في القوات المسلَّحة لتكون مسؤولةً عن بناء الحرم الجامعي الجديد على مساحة 200 فدان. ثانياً؛ للمدينة قانونها الخاص، الذي صدر في عام 2012، بإدارة مستقلة بواسطة مجلس الأمناء. ثالثاً؛ تضم المدينة ثلاثة كيانات: الجامعة، والمعاهد البحثية، وهرم التكنولوجيا؛ وتعمل ثلاثتها في تقديم تعليم، وبحث علمي، وتأثير في الصناعة من الطراز العالمي. والهدف هو بناء قاعدة علمية حديثة، تسير جنباً إلى جنبٍ مع قطاع صناعي متقدم، ونولي الأهمية ذاتها أيضاً للحد من هجرة العقول في هذه المجالات المتقدمة من العلوم والهندسة.

إنَّ الغرض الأساسي من الجامعة هو جذب الطلاب الموهوبين من جميع أنحاء البلاد وتوفير مناهج دراسية فريدة لهم، صُممت خصيصاً لتقديم المعرفة في المجالات المتطورة من العلوم والهندسة. المفهوم الجديد هنا هو تجاوز المجالات العلمية التقليدية التي تفصل جدرانٌ ضخمةً بين تخصُّصاتها. وبدلاً من ذلك، يُتاح لجميع الطلاب فرصة التعلُّم في نظامٍ مُتعدد التخصصات، أو متجاوز التخصصات. في السنة الأولى من عمل الجامعة، تقدَّم 6000 طالب، قُبل منهم 200، بمعدَّل قبول خمسة في المئة؛ وهو مُعدَّل يقف على قدم المساواة مع جامعتي «هارفارد» و«ييل».

أمَّا الفرع الثاني من المدينة -معاهد البحوث- فتضُم مراكز في الحقول البحثية التي تُعد طليعة العلوم والهندسة. تُعطى الأولوية للأبحاث وثيقة الصلة بتلبية احتياجات مصر الوطنية. نطاق البحث واسع: من العلوم الطبية الحيوية، وهو مجالٌ مهمٌ للتخفيف من حدة الأمراض في المنطقة، والبحث والتطوير في مجالات مثل الطاقة الشمسية التي تُعد مصدراً بديلاً للطاقة متوفر في مصر بسخاء.

في الوقت الحاضر، لدينا سبعة مراكز أبحاث في الفيزياء الأساسية، وعلوم المواد، وتكنولوجيا النانو، والتصوير الشعاعي (imaging)، والعلوم الطبية الحيوية، وغيرها. وطيدة الأخير هو هرم التكنولوجيا، والذي يهدف إلى نقل الإنتاج من معاهد البحوث إلى التطبيقات الصناعية، للشروع في الحاضنات والشركات العرضية وجذب الشركات العالمية الكبرى. والكيان الثالث والأخير هو هرم التكنولوجيا، الذي يهدف إلى تحويل نتائج الأبحاث التي تُجريها المراكز إلى تطبيقات صناعية، وإنشاء حاضنات وشركات فرعية لتجذب الشركات العالمية الكبرى.

كانت مصر، وما تزال، قائدة العالم العربي. وستُفجِّر ثورتها المقبلة في التعليم والثقافة تغييرات هائلة في الدول العربية الأخرى. ومع أنَّ هذا الدور القيادي قد تراجع على مدى العقود الثلاثة الماضية، ما تزال مصر تملك عوامل إنجاز هذا التحوُّل الضروري: التاريخ، والأساس، ناهيك عن الطاقات البشرية والمؤسسات.

الأمل هو أن تدعم الصحوة السياسية التي تجري على قدمٍ وساقٍ في المنطقة «ربيعاً علمياً» ناجحاً يجتاح الشرق الأوسط، ويُمكِّن من بناء مجتمع المعرفة. إنَّ اكتساب المعرفة مفهومٌ راسخٌ في بناء الإسلام، وكان هو سر نجاح إمبراطوريته منذ قرون. ولكن يلزمنا استعادة الاعتقاد في السعي إلى المعرفة كهدف أساسي حتَّى نستعيد مكانتنا. هذا التحوُّل الثقافي هو غاية مدينة زويل.

مؤخراً، احتفل «كالتك» بمرور 40 عاماً على خدماتي العالمية في شؤون العلم والعالم بمؤتمرٍ عن «العلم والمجتمع»، تحدَّث فيه مجموعةٌ واسعةٌ من العلماء، مثل عالم الكيمياء الحيوية العظيم ديفيد بالتيمور، الحاصل على جائزة نوبل ورئيس «كالتك» الأسبق، وتشارلز إلاتشي، مدير مختبر الدفع النفَّاث (Jet Propulsion Laboratory)، الذي تحمَّل الجزء الأكبر من مسؤولية بعثات الطوَّافات إلى المريخ، ورحلات الأقمار الصناعية التي تصل إلى الحدود البعيدة لمجموعتنا الشمسي.

حلمي هو أنَّ الشرق الأوسط سيكون قادراً على أن يفيق بعد 40 عاماً من الآن من هول المذبحة الجارية على أراضيه، لتفسح المجال لبناء المعرفة واستخدامها لصالح البشرية. وبالنسبة إلى مصر، سيكون هذا إعلاناً لعودتها إلى جذورها الحضارية مركزاً عالمياً للتعلُّم. وبالنسبة إليَّ، سيكون هذا إتماماً لدائرة قدري الخاصَّة.


هذه التدوينة مترجمة عن النسخة الأمريكية لـ "هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.