المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسين Headshot

درااكولا والجينات

تم النشر: تم التحديث:

عام 1897 أطلق الكاتب الأيرلندي "برام ستوكر" رائعة دراكولا، ذاك الوحش المُرعب، ولا أحد منّا يجهل ذاك الرجل الشيطاني الذي ينام طيلة الليل في تابوته في أحد قصور رومانيا المهجورة، فإذا جَنّ الليل عليه هام على وجهه باحثاً عن ضحية يمتص دمها، ولا يكاد يلمس بأنيابه عُنق امرأة حتى تذوب بين ذراعَيه لذةً وعشقاً، فتسلم له نفسها، فيمتص دمها حتى آخر قطرة.

ومن ضحية إلى أخرى يظل يتنقل من هنا إلى هُناك، تارة على هيئة خُفاش أسود، وتارة على هيئة رجل مُخيف عظيم البِنية، الليل حلقته وملعبه، والنهار عدوه اللدود، والشمس شبحه وعِفريته، لا يقوى على مواجهته، ما إن شعر بالضوء الأول للفجر فرَّ مهرولاً عائداً إلى ذاك القصر المهجور، مُتسلّلاً إلى تابوته؛ ليرقد في موت وسكون.

يقضي النهار كُله في طقس جنائزي مُتقَنْ، بارد الجسد، لا ينبض في جسده عِرق، حتى يأتيه الليل؛ ليُبعث من تابوته من جديد، باحثاً عن ضحية بشرية جديدة يمتص دمها الدافئ، هذه الشخصية المُرعبة التي بدأها الكاتب العبقري "برام ستوكر" في أوائل العصر الفيكتوري، التي لطالما جلسنا نرتجف ونحن نُشاهد تحركاتها في شاشات السينما، ونتصبب عرقاً ويتثلج الدم في عُروقنا، ونحن نراه يقفز ويثب على ضحاياه يمتص دماءهم.

ثم نعود ونلتقط أنفاسنا بعد أن نراه يعود إلى تابوته يرتمي بداخله، وكأنه تحول إلى قطعة رخام من التابوت.

ونحن نطرق الشارع المُبتل بخُطواتنا المُرتاعة ترتعد فرائصنا، ونحن نفكر هل سيخرج علينا دراكولا مُباغتة ليمتص دماءنا ثم يهرول إلى تابوته؟
مُجرد أن تصل تلك الفكرة إلى أمخاخنا نتنفس الصعداء ماذا سنفعل؟ هل هذا الشبح الواقف تحت المصباح دراكولا المُرعب؟
ونمضي في الطريق بسرعة، ونحن نفكر في أنياب دراكولا العجيب المُتعطش دائماً للدماء البشرية الدافئة!
هل يُمكن لذلك الخُفاش المُعلق كسراج ضربه برق، هو دراكولا الملعون، ويزداد الخوف ويزداد العرق طِيلة الطريق حتى سألت نفسي: هل دراكولا شخصية حقيقة أم مُجرد شخصية أسطورية خرجت علينا من درب خيال "برام ستوكر"، خرجت لتُجسد نفسها على شاشات هوليوود؟

دراكولا ذلك الميت الحي الذي يعيش لآلاف السنين ويتجدد شبابه كُل مساء عندما يمتص دماً بشرياً، ولا يتكاثر بقدر عدد ضحاياه، كُل ضحية يمتص دمها هي الأُخري تتحول إلى دراكولا.

هذا الشعب من أبالسة الظلام الذي يدُب بين القبور ناشراً الخراب أينما حل هل يُمكن أن يكون له وجود؟
يقولون إنّ دراكولا مخلوق أسطوري خرج من عقل مؤلف روايته، ولكن أقول لكم إن دراكولا حقيقي، وإنه موجود ويداهمنا من وقت إلى آخر، دراكولا كائن ميكروسكوبي صغير جِداً أدق من كل الميكروبات التي عرفتها الطبيعة، ولا يمكن فصله بالمرشحات الميكروسكوبية، ولا يمكن رؤيته إلا من خِلال أعظم الميكروسكوبات.. إنه دراكولا عالم المخلوقات (الفيروس).
برام ستوكر لم يكُن يهذي عِندما كتب دراكولا من محض خياله الواسع، فالعلم الحديث وليد القرن العشرين أثبت وجود دراكولا،

ذاك الميت الحي الذي يقتل ويصرع الألوف يومياً في كُل جنبات العالم، والإحصاءات تقول إن نحو 60% من الأمراض التي تُصيبنا أمراض فيروسية كـ(الزكام - والإنفلونزا - وشلل الأطفال - والحصبة - والتراكوما وغيرها)، وبظهور مشروع الجينيوم البشري أثبت عُلماء الوراثة أن الفيروسات من مُسببات ومُطورات مرض السرطان بكل أنواعه.

إنه وحش طليق، أعداده بالملايين يلهث وراء الحياة أينما كانت، ظل مُتخفياً حتى عام 1931 حينما تم اختراع أول ميكروسكوب إلكتروني على يد كل من (ليو زيلارد والألماني إرنست روسكا، والمهندس الكهربائي ماكس نول)، منذ ذلك التاريخ وتم افتضاح أمر دراكولا، وكشف مُخططه للقضاء على ما كل هو حي.

وما إن ظهر تحت الميكروسكوب ظهر كبلورات ملحية ظاهرها خالية من أية حياة، مُجرد مادة بروتينية ميتة مُجردة من أية حياة، وبتحليل تلك المادة اتضح أنها مادة بداخلها برنامجها الوراثي المُبرمج للقتل المحمول على (DNA)، والبعض من تلك الفيروسات شفرته عِبارة عن (RNA)، وهي نفس الأحماض النووية المُوجودة داخل الخلايا الحية التي تحمل شفرة صفات الخلية، وتطورها وحياتها هي بمثابة بطاقة تعريف الخلية، تلك الشفرة الوراثية التي تحمل كُل تفصيلة عنّا، إنها بمثابة البطاقة الشخصية الخاصة بكل شخص، وكائن يتشارك معنا الطبيعة.

تعيش الخلايا مُترابطة مع بعضها البعض حياة هادئة مطمئنة مُفعمة بالعمل الجاد وبالهدوء، ولكن من شِيم الطبيعة أنه هناك دائماً صراع سرمدي بين الخير والشر، مسرحية نُشاهدها منذ تصارعَ أبناء آدم.

الخير هنا في مسرحيتنا هذه الليلة هي الخلية الحية، والشر هُنا هو دراكولا عالم الجُزيئات (الفيروس)، وما أن ُتفتح الستار يظهر وديعاً هادئاً في بادئ الأمر يخدع بمكره الشيطان ذاته، ولكن حينما يلمس بزوائده البروتينية مُستقبلات الخلية، فيتحول إلى وحش، إلى مُفترس قاتل، فيقوم في حبكة درامية بحقن فريسته بمادته الوراثية، فتتحول إلى خادم مُطيع له، تقوم بإنتاج الكثير والكثير من النسخ المُطابقة له، اجتهد عُلماء الوراثة في تفسير ماهية تلك الدراما البيولوجية التي تُعرض كُل لحظة على مسرح الحياة في دُنيا الطبيعة، وفي نهاية الأمر تتحول هذه الخلية إلى سرطان، ويتحول مصيرها إلى خلية قضى عليها الموت الخلوي المُبرمج، أو ربما استمرت حياتها كسرطان مُهاجمةً أخواتها.

ولكن أحياناً تتنبه له الخلية، فتصنع له شِراكاً من الإنزيمات القاطعة، تداهم معاقل دراكولا داخل الخلية، فلا يجد أمامه فرصة سوى الإذعان لها والهلاك، لا يجد أمامه فرصة للعودة إلى تابوته.

يتحول إلى بلورة تُشبه القصر المهجور لا حياة فيها ولا نبض ولا تكاثر ولا إحساس.
فما هو سر ذلك الميت الحي؟ ولكن كيف نبضت الحية في تِلك المادة الميتة؟!

هل باكتشافنا عالم الفيروسات لم يُعد هناك مفهوم واضح للموت وللحياة؟ هل سيختلط الأمر علينا وينهار الحاجز الصارم بين الموت والحياة؟!
يُعد الفيروس من أعقد أعاجيب الطبيعة التي تُواجهنا نحن علماء الوراثة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.