المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسين Headshot

الكروموسوم 7 الحضارة

تم النشر: تم التحديث:

"الحضارة" عند ذكر هذه الكلمة للوهلة الأولى يطرأ في الذهن صور عديدة، منها حضارة الإمبراطورية الفرعونية القديمة في مصر، حضارة بابل القديمة، أو ربما نقصد هُنا حضارة روما القديمة.

ولكن ما نقصده هُنا هو حضارة الإنسان الأول، حضارته الشخصية لا المادية، حضارته الروحية والفكرية، الباب الأول الذي دخله وارفاً وناهلاً من تلك الحضارة التي ساعدته على البناء، تلك الحضارة الفكرية هي التي ساعدت ساعديه وألهمتهم البِناء وإشعال النار واستئناس وحوش البرية وحيواناتها وعلمته صيد الأسماك أخرجته من كهوف جوهانسبرغ إلى خصوبة الوادي المُكتحل، علمته من حِياكة الملابس وطحن القمح إلى صِناعة مركبات الفضاء الضخمة؛ لينتقل بتلك الحضارة إلى الكواكب المجاورة.

ولا يشك أحد منّا في أن الجينات تستطيع أن تُشكل شكلنا التشريحي والشكل الظاهري لعالم الطبيعة في عالم حيوات الكوكب الأزرق، ولكن فكرة أنها تُشكل السلوك أيضاً، فهذه الفكرة تحتاج إلى تحرٍّ أكثر، وسنلجأ إلى المُلهم الأول والمعلم الأوحد هو عالم الحيوان، سنضطر إلى السير في كنف هذه الطبيعة لفهمها.


وآمل هُنا أن اُقنع القارئ بأن هُناك جِيناً يقع على الكروموسوم 7 يلعب دوراً مهماً في ترويض البشر منذ بزوغ فجر البشرية، وبدء الفصل الأول في مسرحية التاريخ البشري مشهد الحضارة بإحدي الغرائز، وهي فوق ذلك غريزة تقع في القلب من الثقافة والبشرية.

والغريزة هُنا تُطلق على أفعال الحيوان، فسمك السلمون يلتمس المكان الذي وُلد فيه، ويكرر الزنبور الحفار سلوك والديه اللذين ماتا منذ عقود زمنية طويلة في عملية الحفر، وجماعات السنونو تُهاجر جنوباً في الشتاء، كل هذه غرائز .

أما نحن البشر لا يلزم أن نعتمد على الغريزة بصورة كُلية، وهم بدلاً من ذلك يتعلمون، إننا نحن البشر حقاً كائنات خلاقة ذات ثقافة واعية، وكل ما يفعلونه هو نِتاج إرادة حُرة وفكر تجريبي يبحث باستمرار عن الحقائق المُجردة، وعن ماهية الأشكال وحقيقتها، وأمخاخ عِملاقة ووالدين يغسلون المُخ منذ الوهلة الأولى التي نخرج فيها لتلك الحياة نصرخ الصرخة الأولى ونحن عُراة، إنها حقاً الحُرية المُطلقة.

هكذا ظلت تمضي الحِكمة التي سادت عِلم النفس وكل العلوم الاجتماعية في القرن العشرين والإيمان بِسلوك بشري فِطري يحكم نِتاج الإنسان الفكري والمُجتمعي، وهُنا وقعنا في كمين الحتمية، وتم الحكم على البشر بمصير قاسٍ كُتب عليهم في طيات جِيناتهم قبل أن يولدوا، ولكن بدأت العلوم الاجتماعية تُبدع مرة أخرى في أمر الحتمية، وأنتجت أشكالاً مختلفة من الحتمية، منها الحتمية الوالدية لفرويد، والحتمية الاقتصادية والاجتماعية لدى ماركس، والحتمية السياسية عند لينين.

ولكن التحول العظيم الذي فض هذا الصراع لهو أعظم تحول في القرن العشرين هي أن أجمع عُلماء الاجتماع وعِلم النفس طوال القرن العشرين حاولوا إقناع مفكرين من أنواع مُختلفة "أن السببية البيولوجية حتمية، بينما السببية البيئية حارس على الإرادة الحرة، وأن الحيوانات تمتلك غرائز، وأن الإنسان يمتلك إرادة حُرة ساعدته في بِناء فكره وثقافته وحضارته".

سواء أكان هذا الإنسان يمتلك الإرادة الحُرة أو يسير تِبعاً لغرائزه في كِلتا الحالتين كانت تلك الخريطة المكتوبة داخل الجينوم الخاص به بتلك الأحرف البيوكيميائية المُحرك والباعث لحركته، لطالما كانت هي النور الذي تسبب في بناء فكره وعقله، فأضاء ما بين جنبات الطبيعة بنور الحضارة الإنسانية، وهنا نتحدث عن أعظم الحضارات التي شيدها الإنسان، منذ أقدم الأعصر والأزمان، وكان دوماً الإنسان حريصاً على البناء، كان دوماً الصاحب الأول والأوحد لكل الحضارات المُشرقة التي نعرفها.

لك أن تتخيل، ونحن نكتب ونُطالع هذه الكلمات على جهاز الكمبيوتر المحمول أو الكمبيوتر اللوحي، أنك سلف أحد هؤلاء الذين سكنوا كهوف السافانا أو مُدن الإمبراطورية الفرعونية القديمة، ممُسكاً بقطعة من عسيب النخل أو الجلد أو بقطعة حجر ينقش عليها رسوم تبدو للوهلة الأولى، وكأنها تعاويذ شيطانية، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تلك النقوش تصف أعظم حضارة عرفها العالم.


ولكن في النهاية انهارت ممالك هذا الإنسان؛ ليخرج آخر يمتلك بداخله أمر إكمال تلك العملية؛ ليُكمل تلك الرحلة التي ويكأنه جُبل عليها، إنها عجيبة الجينات التي كونت فكره وعقله وثقافته، وأضافت له بتفاعلها مع البيئة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.