المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسر عبد الله Headshot

الطبيعة والقوى الناعمة

تم النشر: تم التحديث:

القاموس يقول لنا: إن القوة هي "القدرة على عمل الأشياء"، وعند هذا المستوى الأكثر عمقاً! فإن القوة هي القدرة على تنفيذ الأهداف والحصول على النتائج التي يريدها المرء، ويخبرنا القاموس أيضاً إن "القوة" تعني امتلاك القدرات على التأثير في أسلوب الآخرين.

ولكن في بعض الأحيان نستطيع أن نحصل على النتائج التي نبتغيها بالتأثير على السلوك "دون أوامر"، على سبيل المثال.. البعض ينظر إلى أعمال التشدد والعنف بعين الرهبة والخوف من أصحابها فيميلون إلى التأييد المطلق دون وعي، والبعض الآخر يلجأ إلى التأييد ليس بسبب أموال مدفوعة أو تهديدات، ولكن الإيمان بمشروعية الأهداف.

فالسياسيون وبعض العامة المثقفون كثيراً ما يجدون مسائل السلوك والدوافع هذه معقّدة أكثر من اللازم، وبناء على ذلك يعتبرون بلداً ما قوياً إذا كان لديه عدد سكان وإقليم جغرافي كبير نسبياً، وقوة اقتصادية وعسكرية إضافة إلى الاستقرار الاجتماعي.

فالقوة كما وصفها "جوزيف ناي" تشبه "الطقس" يتحدث عنه كل شخص، ولكن لا يفهمه إلا القليلون.

ولكن عندما يصف البعض "القوة" ويضعها في موضع ترادف للموارد التي تنتجها البلاد، فإنهم يواجهون بعض المفارقات كون أفضل المتمتعين بالقوة لا يحصلون على النتائج التي يريدونها دائماً.

فالقاعدة السياسية الشهيرة تقول: "ما يُكسب في لعبة ما قد لا يساعد على الإطلاق في لعبة أخرى"، فالإمساك بأوراق بوكر رابحة لا يفيد على الإطلاق إذا كانت اللعبة الجارية هي لُعبة البريدج.

وحتى لو امتلك البعض أوراق البوكر الرابحة وأساءوا الاستخدام فالخسارة ستكون في المقدمة، فامتلاك موارد القوى لا يضمن أنك ستحصل دائماً على ما تريد، فالنفط لم يكن مورد قوة مؤثرة قبل العصر الصناعي، كما لم يكن اليورانيوم ذا أهمية قبل العصر النووي.

فالتقدير التقليدي السابق للقوة العظمى وقياسها بميزان "القوة الحربية أو العسكرية" تلاشى بعض الشيء بمرور السنين وتغير المصادر، على سبيل المثال:
أوروبا في القرن الثامن عشر كان السكان مصدراً حساساً للقوة؛ لأنهم يقدمون شريحة كبيرة لتجنيد المشاة، وبانتهاء حرب نابليون 1815 قدمت بروسيا لحلفائها خُطة محدودة لإعادة بناء نفسها وتحقيق قوى توازن ضد فرنسا، وأيضاً قبل سقوط فرنسا 1940 كانت بريطانيا وفرنسا تملكان دبابات أكثر مما تملك ألمانيا، ولكن هذه القوة العسكرية لم تقدم نبوءة دقيقة ولم تعتمد على المعدات العسكرية.

فمسألة أن الولايات المتحدة الأميركية في عالم المعلومات هي القوة العظمى الوحيدة في العالم أو بمعنى أدق سياسة "أحادي القطب" أمر ملتبس بالشوائب، كون جدول أعمال السياسة العالمية قد أصبح كرقعة الشطرنج "ثلاثي الأبعاد"، على حد وصف "جوزيف ناي": لا يستطيع المرء أن يفوز إلا إذا لعب بطريقة عمودية وبطريقة أفقية في الوقت ذاته.

فالقوة العسكرية الأميركية بالفعل قوة عظمى "قوة أحادية"، ولكن الرقعة الوسطى الاقتصادية متعددة الأوجه والأقطاب فلا تستطيع أميركا أن تحصل على النتائج المرجوة دون موافقة أقطاب الاقتصاد الظاهرين بقوة على المشهد العالمى، "اليابان والصين" وغيرهما من أسرة دول الاتحاد الأوروبي.

فـ"القوة الناعمة" حقيقة واقعية مهمة للغاية، فقد وصف البريطاني "آها كار" 1939 القوى الدولية وقسمها إلى ثلاث فئات: القوة العسكرية، القوة الاقتصادية، والسيطرة على الرأي، فالذين ينكرون أهمية القوة الناعمة يشبهون الناس الذين لا يفهمون قوة الإغواء.

وأيضاً "القوة الناعمة" ليست قوة القسر والمال، ومثلما لاحظ "آدم سميث" أن الناس تقودهم يدٌ خفية عندما يتخذون قراراتهم في سوق حرة.

فنحن في عالم انجذابي غير ملموس يقنعنا بمسايرة أغراض الآخرين دون حدوث أي تهديد صريح أو مبادلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.