المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسر عبد الله Headshot

فلسفة الأسطورة

تم النشر: تم التحديث:

ما من أمة ارتفع شأنها أو هان إلا ولها أساطيرها، سواء كانت سياسية.. بطولية.. غرامية.. أو حتى إلهية، ورغم أن الإنسان يظن نفسه متحرراً من هذه المحاولات الأسطورية فإنه في أوج غروره ينسى أن محاولاته في مغالبة الفضاء ليست سوى محاولات متطورة لمعرفة أسرار الكون، ولا تختلف شيئاً عما كان يملأ ذهن الإنسان القديم.

اختلف الباحثون في منشأ الأساطير بحسب الأسبقية الفكرية والعقلية في تفسير نشأة الكون والإنسان من ناحية، والأساطير التي اعتمدوها أساساً لدراسة موضوع الأساطير من ناحية أخرى، فقد فسر توماس بوليفينشي وجود 4 نظريات في أصل الأسطورة:

1- النظرية الدينية: التي ترى أنّ حكايات الأساطير مأخوذة كلّها من الكتاب المقدس مع الاعتراف بأنها غُيِّرت أو حُرِّفت، ومن ثَمَ كان هرقل اسماً آخر لشمشون، والمارد ديوكاليون ابن بروميثيوم، الذي أنقذه زيوس مع زوجته من الغرق فوق أحد الجبال، هو نوح.. وهكذا.

2- النظرية التاريخية: التي تذهب إلى أن أعلام الأساطير عاشوا فعلاً وحقّقوا سلسلة من الأعمال العظيمة، ومع مرور الزمن أضاف إليهم خيال الشعراء ما وضعهم في ذلك الإطار الغريب الذي يتحركون خلاله في جو الأسطورة.

3- النظرية الرمزية: وهي تقوم على أنّ كل الأساطير بكل أنواعها ليست سوى مجازات فُهمت على غير وجهها الصحيح أو فُهمت حرفيّاً، من ذلك ما يقال عن أن ساتورن يلتهم أولاده.. أي الزمن يأكل كل ما يوجد فيه.

4- النظرية الطبيعية: وبمقتضاها يتم تخيّل عناصر الكون من ماء وهواء ونار في هيئة أشخاص أو كائنات حية، أو أنها تختفي وراء مخلوقات خاصة. وعلى هذا النحو، وُجِد لكل ظاهرة طبيعية -ابتداءً من الشمس والقمر والبحر وحتى أصغر مجرى مائي- كائن روحي يتمثل فيه وتُبنى عليه أسطورة أو أساطير.

الكثير من الشخصيات التي كانت تدور حولها الأساطير هي شخصيات تاريخية واقعية، من ملوك أو حكام أو أشخاص من الشعب، كان لهم دور في الحركة المجتمعية والحضارية لذلك الزمان، وكذلك المدن التي دارت في فضائها الأساطير، فقد أثبتت البحوث الأثرية وجودها وقيام حضارات كبيرة فيها.

لا شك في أن كل الأساطير قائمة على أساس من الحقيقة، غير أن الخيال الإنساني مع مر الأيام خلط الحقيقة مع الأوهام وجعلها بعيدة عن الأوهام. ومع ذلك، فأغلب الأساطير تدور حول إنشاء حياة أفضل وهي محاولات ظهرت مع نشوء الإنسان، يفسر بها المشاكل التي بدأت على الأرض عند ظهوره، ويجتاز بواساطتها الهوة بين العالم الذي نعيش فيه والكون الغامض الذي يحيط بنا؛ في محاولة لمعرفة سر القوى المسيطرة على العالم، ولماذا يقع الشر؟ وكيف ينتصر الخير؟

"الميثولوجيا" تقول إن هناك عالماً موازياً لعالمنا، وبطريقة ما، داعم لوجودنا! والإيمان بهذه الطريقة اللامرئية والأكثر قوة التي تسمى أحياناً عالم الآلهة، هو فكر "الميثولوجيا الأساسية".

كانت "الميثولوجيا" تسمى "الفلسفة المُعمرة"؛ لأنها أرشدت إلى الأساطير والطقوس والتنظيم الإجتماعي قبل ظهور الحداثة العلمية، وما تزال تأثيراتها مستمرة في العديد من المجتمعات التقليدية المعاصرة، فكل حقيقة أرضية هي عبارة عن ظل باهت لنموذجها الأصلي، فالكائنات البشرية الفانية لا يمكنها تحقيق إمكاناتها إلا بالمشاركة في تلك الحياة الإلهية.

لقد قدمت الأساطير شكلاً وصياغةً عن الحقيقة التي يتحسسها الإنسان بغريزته وحدسه، فالأسطورة تتسم بالامتداد إلى الجذور المتأصلة في الماضي السحيق ولا تتصل بالماضي القريب، ولكن عظمتها تظهر في مغزاها ودلالتها؛ بل في وظيفتها الإيمانية عبر العصور المتعاقبة.

فالأسطورة سابقة للفلسفة والعلم، وبعد ظهور الفلسفة أخذت تسير معها على خطين متوازيين، ولم يعمل كل منهما على تقليل قيمة الآخر.

رغم هذا، هناك شيء من التناقض؛ وهو أن الفلسفة والعلم يرغبان في إخضاع الأساطير لأحكامهما وتقديراتهما، بينما الواقع يقول إن الأسطورة تنهج نهجاً مختلفاً عن الفلسفة وتسير وفقه.

الفلسفة من جهة، تأخذ نتائج العلوم والمعارف وتصعد بها إلى مرحلة أسمى من الشمول في الحياة والوجود، الأسطورة من جهة أخرى تقول إنها سبقت العلوم والمعارف وتقدم الحقيقة في قصة دَفعة واحدة، ولا تصعد في الجزيئات التي تظهر فيها الفلسفة من إحراز نتائج العلوم والمعارف الإنسانية.

البعض يرى أن الأسطورة تدور حول المجهول من الأشياء التي لا نملك منذ البداية كلمات للتعبير عنها.. إذاً، تنظر في قلب الصمت الكبير.

كان من يدوِّن هذه الأساطير لا يقوم بكتابتها وهو في حالته الشعورية.. هكذا فسر بعض المؤرخين؛ بل يفعل ذلك وهو في حالة غياب عن الوعي لوجود قوى روحية.. خير أو شر، تسيطر عليه وتدفعه لكتابة الأسطورة بشكل أو بآخر وشبّه البعض أن كاتب الأسطورة كان "مَسوقاً" في كتابته بقوى روحانية.

قصة الأسطورة لا تروى لغرض الرواية فقط؛ بل هدفها أن تدلنا على ما يجب علينا فعله، ويخطئ من يعتقد أن الأساطير خرافة فحسب ولا تصلح لغير الأطفال.

فكل أسطورة تمثل عقائد أصحابها وعاداتهم وتوضح نظرتهم وفلسفتهم فى الحياة، وهي تعطي فكرة متأصلة وكاملة في بلاد عانت صراعات عنيفة من أجل الخير والحرية والسلام.

وإلا لما استطاعت أن تكون العمود الذي شُيد عليه الأدب العالمي، ولما أصبحت هي الجذور التي تفرعت منها هذه الألوان المتباينة من الآداب والفنون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.