المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسر عبد الله Headshot

مَن يسير خلف مَن؟.. (في عشق الهلس)

تم النشر: تم التحديث:

من الأساليب المعتمدة في العقود والدراسات المنهجية أن يبدأ المرء بالتعريفات، وشرح المضمون أو اختيار مضمون لمن لا مضمون له، وفي الحديث عن "الإعلام" الذي لا مضمون له في واقعنا البائس، والذي نجد ثمة خلافاً في فهم منهجه في محافلنا الإعلامية على وجه الخصوص، نعلم جميعاً أن لغة الإعلام فريقان: فريق يعلم، وفريق لا يعلم، وما أكثر هذا الفريق!

فالإعلام في عُرف كثيرين أن يأخذ جيل سابق بيد جيل لاحق، ويدله على دروب الحياة وتجاربها، وينقل إليه دروسها وعبرها؛ ليوفر معاودة التجربة في كل مرة.

فمعظم إعلاميينا في السنوات العشر الأخيرة يعتمدون على أحد الرأيين:
- القول بأن الجمهور يعلم أكثر مما نظن، وأننا يجب ألا ندعي إعلام الناس أو تربيتهم، تواضع خبيث كاذب يغنينا عن الاستنتاج والتنبؤ بالنتائج.
- القول بأن الجمهور جاهل، وعلى رجل الإعلام أن يجاريهم ويساير عقولهم، فلا يقدم إليهم ما يعصى على عقولهم وإدراكهم، يراه البعض العاجز تعالياً على الجمهور!

موقفان هما ما يريح العاجزين من رجال الإعلام الذين لا يقدرون على أداء مهام الإعلام والتوعية، ولا يستطيعون أن يقدموا إلى جمهورهم مادة مفيدة تنقلهم من حالة عدم العلم إلى حالة العلم.

إن الذين يقولون إن الناس علماء، يضيفون في قولهم: فما حاجة الناس إذاً إلى برامج تثقيفية.
والذين يقولون إن الناس جهلة، يضيفون في قولهم: لا قدرة لهم على مشاهدة أو استماع برامج راقية.

آراء شائعة بين صفوفنا نحن إعلاميي اليوم ومهما كانت مريحة للبعض، فهي آراء خاطئة في كل الأحوال وهدامة لجيل لاحق.

فالجهل والعلم ليسا حالة مطلقة، فمن الجمهور الذي يشاهد ويسمع وسائل الإعلام علماء وغير علماء، فمن الناس من يعلم شيئاً ويجهل أشياء.

عندما يصبح الانحطاط هدفاً

إن ثمةُ مسؤولين إعلاميين يمنعون إذاعة مواد يؤمنون بجودتها، ويبيحون إذاعة مواد يعلمون علم اليقين أنها سيئة، من وجهة نظرهم "الجمهور يريد ذلك" ولا يرغب في الرقى ولا مفر من مسايرة ذوق الناس، وتفاقمت حالة هذا المنطق بانتشار وسائل إعلام خاصة أخذت تنافس في كسب ما ظنت أنه وُد الناس.

* استنتاج:
- لا أحد من الإعلاميين لا يستطيع الادعاء أن لديه استقصاءات علمية، أو إحصاءات واستفتاءات واضحة تتيح له معرفة أذواق الناس وأهوائهم.
- مسايرة الناس في أذواقهم المزعومة تغفل مسألة خطيرة في مجال بحثنا وهي أن ذوق الناس أذواق، ومنها ما لا علاقة له بالرقي، فالذوق ليس ثابتاً، وفي استطاعة وسائل الإعلام أن ترتقي بالأذواق وتشكلها في كثير من الملامح، والسؤال: مَن يسير خلف مَن؟.. الإجابة متروكة لأصحاب المعجزات في الإعلام.

- منهج التغريب القسري "الغرب" مدعياً شعارات حرية الثقافة مرفوعة على طول هذا المسار، والذي خلق التنافس على مسايرة أذواق الناس التي شُوّهت (بضم الشين) لسنوات طوال لا يزال مسلكاً شبه عام لدى معظم المؤسسات الإعلامية..
فوسائل الإعلام في مواجهة خيارين اثنين:

إما أن تسير خلف الناس وتسايرهم في رحلة بلا ريب أو شك أفضت إلى الانحدار والتهاوي الذي نشهده، وإما أن تقود دفة المبادرة الإعلامية في موقع قيادة الناس، لا في موقع الانقياد لأغراض تنافسية هدامة.

كنا في سنوات ماضية نستمع في إذاعاتنا إلى مذيعين أشبه بالأدباء، وفي سنوات حاضرة ينصب المعيار التجاري محل المعيار التربوي التثقيفي، فلا تعود المادة الجيدة هي المطلوب بثها بل المادة الرائجة، والرائج ليس جيداً على الدوام، والجيد ليس رائجاً في كل زمان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.