المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسين محمد Headshot

فاطمة

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن تسكت أصوات الطائرات وينتهي قصف البراميل تميل إلى الغروب شمس الأصيل راسمة خطوطاً قرمزية في السماء الحلبية، وكأنها مرآة لكل هذه الدماء على الأرض، ويزورني الحنين إليك يا فاطمة، وأرى طيفك أكثر وضوحاً من كل الأوقات.

الشوق يكبر في أوقات الحرب، هذا ما علمني إياه الوطن، والوطن يا فاطمة فيك، فمياه اللاذقية البعيدة يجري لونها الأخضر في عينيك، وعنب داريا الأحمر مقطوف من على خديك، وياسمين الشام يظهر في رائحة أنفاسك، وشعرك أسود كأحجار حمص، وقدماك الصغيرتان المتعبتان باقيتان وراسختان هنا مثل جبل قاسيون هناك وهامتك أعلى منه، وكلك يا فاطمة حلب.

لا وقت للتعبير عن الحب أثناء الحرب والحصار، فلقاؤنا صعب جداً كما ترين بسبب القصف العشوائي وملاحقة المدنيين في كل الأحياء والمساكن، وما الذي يمكن لمثلي فعله وأنا كالواقف بين الماء والحرس، والذي في يدي ليس عصا موسى؟ كل ما نملكه عندما نسمع صوت القصف هو أن نصدق فعلاً أن هذه القذيفة لن تسقط عليَّ أو عليك، وأننا لن نموت الآن، وأظن أن هذه الكذبة قد نجحت على نحو ما.

كل ما هب في الريح ودب على الأرض في حلب منذور لموته المنظور، وكلنا في حلب نساق إلى الموت بلا سبب، وأيامنا باتت معدودة، ويمكن أن يموت واحدنا بين نَفَسين من سيجارة، لا شيء يا فاطمة أسوأ من الموت سوى انتظاره، وخوفنا أن يختار أحبابنا قبل أن يختارنا، أن يختارك قبلي لا سمح الله، لماذا لا يتوقف كل هذا العبث؟ حتى الآن لم أفهم ما يفعله هؤلاء، يهتفون للحسين ويقصفون فاطمة!

لكن لا بأس إذا لم نلتقِ لقاء الأجساد على الأرض، ربما نلتقي في السماء، وجلال الدين الرومي الذي كان هنا يوماً يقول: "إن العشاق لا يلتقون في مكان، هم في أحضان بعضهم طول الوقت"، الروح شفافة تلامس القلب في كل الأوقات رغم ابتعاد المسافات، وشيء ما خارج الزمان والمكان يجعلني معك دائماً يا فاطمة، أراك كل يوم في عالم الظلال، نقضي النهار معاً وفي الليل ننام على نفس السرير.


لكن كل ما أردته حقيقة كان عناقاً أخيراً، وقُبلة وحيدة وأخيرة ليست إثماً كبيراً وسط كل هذا الظلم المدمر، أردت أن أرى عينيك وأسمع صوتك، لكن عالم السحت هذا لم يسمح لي بذلك، وأردت كذلك أن أقول لك إنني....*

"لقد حصدت طائرات الميغ أرواحنا، وسرقت منا أيامنا، وحطمت أحلامنا البسيطة بلا رحمة، وتركت من الإنسان أو روحه بقايا ليست مفيدة، ولم يعد هناك معنى للوطن، ولم يَدَعوا لنا شيئاً نناضل من أجله، كل الذين أعرفهم وأحبهم يا فاطمة ليسوا معي الآن، بعضهم لا يزال في حلب مثلك ولا أستطيع الوصول إليه، وبعضهم استطاع الخروج، وبعضهم استطاع الموت، وأنا هنا في مدينة الأشباح تلك، أصبحت رمادياً تماماً، وبعد كل هذا النضال سأموت على فراشي وحيداً جداً عارياً جداً إلا من الحب".

وجدت هذه الورقة في داخل كرّاس أزرق كان متروكاً ومنسياً تحت أنقاض بناية، وعليه بقايا دماء جفت، فاستحالت إلى اللون الأرجواني الغامض، وكثير من الأوراق ممزقة، لكن ورقة واحدة في وسط الكراس لم يأخذ منها القصف وحجار البيوت المهدومة إلا قليلاً، ولم تنَل منها أمطار تشرين شيئاً، وبقيت صامدة تحت الغبار وتحت الدخان، ثم استطاعت مقاومة الفناء، وهو الأمر الذي لم يتمكن منه هؤلاء الذين قضوا تحت المباني، وربما مات كاتبها الحقيقي (أحمد الذي لا نعرفه) مع مَن ماتوا؛ لذلك رأيت أن تنشر كي تصمد أكثر، ربما أكثر من الحرب ومن البشر، لكن ليس أكثر من الوطن.

أما هذه الرسالة في ذاتها فمصيرها إلى العدم، وسألقيها لحصب هذه النار الموقدة أمامي، فهي حبر في ورقة، ولن يفهم أحد وزن المعاناة التي شربت أثناء وقبل وبعد كتابة كل حرف وكل كلمة إلا من له فاطمة وله حلب.

هذا الحبر الأسود الباهت الآن في هذه الورقة الصفراء لا يعرف شيئاً عن التاريخ أو الجغرافيا أو الحب حتى لو كان المكتوب يمثل أنبل ما في الإنسانية، وحتى لو كان الحبر المزهق يرادف الأرواح والدماء التي سالت في الشوارع وتحت السقوف، الدماء التي سالت في الشعار والكراج الشرقي وقاضي عسكر وباقي الأحياء، إن الحبر في الحقيقة حبر أحمر وليس حبراً أسود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* التاريخ المكتوب على هامش الرسالة هو بداية ديسمبر/كانون الأول والاسم الموقع أدناه هو أحمد.
* الكلمة في مكان النقاط في الأعلى ليست واضحة في النص الأصلي، لكن أظنها كانت "أحبك".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.