المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ياسين   Headshot

لبنان وانتصار تمّوز..هل ما زلنا منتصرين؟

تم النشر: تم التحديث:

اعتادت المفكّرة اللبنانية حجز تواريخ الأحداث، السّيء منها والجيّد، تواريخٌ تعجّ بالإغتيالات، الحروب، الانقسامات، والانتصارات بطبيعة الحال، البلد الذي أذاق إسرائيل عدّة هزائم بدأت بانسحابها منه عام 2000، كان له موعدٌ مع نصرٍ آخر في 14 آب 2006، ليتوّج به صموداً دام ثلاثةً وثلاثين يوماً كان 12 تمّوز أولها.
أن ندخل على الذّكرى التّاسعة لإنتصار تمّوز، يعني أن نعود بالذّاكرة كلبنانيين لصور الدّمار والمجازر، لأحداث فرضت نفسها نزبلاً دائماً على ذاكرتنا الجماعية، لا سيما الذّاكرة الجنوبية، 33 يوماً أمعنت فيها آلة الحرب الإسرائيلية قتلاً للبشر، وتدميراً للمنشآت والحجر، لتعيد لبنان بحسب وصف أحد قادتها العسكريين، عشرون عاماً إلى الوراء لا بل أكثر. أنفقت إسرائيل على طلعاتها الجّوية مليارات الدّولارات، وأعادت تعبئة مخازن قذائفها وصواريخها مرّاتٍ عدّةٍ في حرب تمّوز، لتحقّق إنجازاً وحيداً، تدمير البنى التّحتية للشعب اللبناني والتي أعيد إعمارها لاحقاً، لكن دونما نصرٍ عسكري، لا بفرض منطقةٍ عازلة على حدود فلسطين الشّمالية مع لبنان الجنوبي، ولا بنزع سلاح حزب الله الذي كان هدفاً مركزياً أنذاك لحكومة إيهود أولمرت ووزير حربه عمير بيريس.

هزيمة إسرائيل تلك، وبعد جردة حسابٍ اليوم، أي بعد 9 سنواتٍ على الحرب، لم تكن نصراً كاملاً للبنانيين، ولحزب الله خاصةً، ربح الحزب جولةً مباشرة منحته قلوب العرب واللبنانيين على حدّ سواء، لكن الإسرائيلي ربح على المدى الطّويل. ركب الإسرائيلي ظهر الرّبيع العربي وتلاعب بالشّعوب كيفما أراد، لا سيما الشّعب السّوري، إستطاع الإسرائيلي ورعاة مشروع "الرّبيع العربي" إستغلال عطش الشّعوب للحرية، وتحويله إلى مادّة خصبةٍ يزرعون فيها بذور التّشرذم والتّقسيم، ويرسون على الأرضية العربية مشاريع الفدرلة. لنتحول بعدها من دولٍ إلى دويلات مذهبية، إثنية، عرقية وطائفية، يكون لإسرائيل فيها السّطوة كأقوى دويلة في الشّرق الأوسط. نجحت إسرائيل بمخطّطها أن تستغل حراك الشّعب السّوري، وتجرّ حزب الله لمستقنعٍ كلّفه الكثير.

جرُّ حزب الله للمشاركة في الحرب الأهلية السّورية، شكّل ضربةً قاصمة للحزب من حيث شعبيته عربياً، فتحوّل من حركةٍ مقاومةٍ حرّرت أرضها وهزمت أعتى جيشٍ في المنطقة، إلى طرفٍ يناصرُ ديكتاتوراً بحسب الشّارع العربي، لكن الإسرائيلي غير معني بهذه توصيفات. إسرائيل لا يعنيها حرّية الشّعب السّوري طبعاً، ولو عالجت جرحى المجموعات المسلّحة، فهي لا تنفك تخرق سيادة الأراضي السّورية كلما أرادت وتشنّ الغارات، ولا يعني إسرائيلُ مشاعر العرب وهي من تحتلّ قدسهم. إسرائيل نجحت من حيث خطّطت لتحويل معاركها من معارك مباشرة، إلى معارك تُخاض من بعيد مرتدية فيها إسرائيلُ القفازات، يشتبك فيها أعداؤها ويستنزفون قدراتهم، التي تمّ إيجادها في الأصل لمحاربة إسرائيل.

تسعُ سنواتٍ مرّت على إنتصار تمّوز، إسرائيل حاسبت قيادة الحرب في العام 2006 وأصدرت تقارير توضح فيها هزيمتها، أبرزها تقرير فينوغراد، أجرت إسرائيل عشرات لا بل مئات المناورات وخاضت حروباً في غزّة بهدف رفع جاهزيتها. كثّفت عملها وتأهيلها للبنى التّحتية والمجتمع لجعله متكيّفاً مع الحروب. أما لبنان بحكومته وأحزاب فلم يفعل شيئاً، لم يُسلّح الجيش، لم تبنِ الحكومة الملاجئ، لا بل قرّرت مواصلة العدوان بشكلٍ غير مباشر، لكن على شعبها بأكمله لا الجنوب فقط، فالبنى التّحتية تكاد تكون معدومة، الكهرباء مقنّنة والمياه ملوثة ومقطوعة، إسرائيل تستعد لحربها كأنها اليوم، ولبنان يعيش ليومه وكأن غده لن يأتِ. أما حزب الله، المعني الأول بإنتصار تمّوز ال 2006، فمشغولٌ بحروبٍ زُجّ فيها، يدفع الفواتير من دم شبابه وشعبه، حربُ المئة عام وأكثر في سوريا، يطرح السّؤال نفسه مجدّداً، هل تبقى لنا من نصر تمّوز شيء؟ نعم، مقعدٌ في كتب التّاريخ، وصورٌ في مخازن الذّاكرة