المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد طقش Headshot

الصندوق الأسود سبب لتضخيم المشاكل الزوجية

تم النشر: تم التحديث:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ** جاءت محاسنه بألف شفيع
بهذه العقلية التسامحية الرقيقة تستمر الحياة الزوجية السعيدة، ويصير التغاضي عن الإساءات ديدناً يومياً محبباً يجعل الطرف الآخر يقوم بالفعل نفسه، وهكذا يغدو الزواج واقعاً حقيقياً لطيفاً مؤنساً بعيداً عن الكمالية التخيلية المطلقة.

بكل بساطة.. زوجتي العزيزة، أنت أخطأت بفعلك هذا، لكن قيمتك في قلبي أعلى وأغلى من أن ألومك عليه أو بسببه.
زوجي العزيز.. تصرفك هذا يبعدك عن قلبي، لكن ماذا أفعل إذا كنت أنت قلبي كله؟

وهكذا فتذكّر الشريك فضائل الطرف الآخر يجعله متسامحاً غافراً لزلاته، جاء في الذكر الحكيم: "إني لعملكم من القالين" (الشعراء: 168).

فيجب عليك أن ترفض وتستنكر العمل لا صاحب العمل، لن يؤدي إلغاؤك كل محاسن زوجتك بسبب خطأ بسيط إلا إلى خراب بيتكما، ولن يؤدي شتمك اليومي لزوجك في حديثك مع أهلك وأهله إلا إلى تحطيم أسرة كاملة، كان من الممكن إنقاذها، لو تحليتما ببعض التسامح والغفران.

إن الزوج (القناص) الذي يترصد عيوب زوجته، لا يستحق زواجاً هانئاً، والزوجة (النمامة) التي تذيع سلبيات زوجها للقاصي والداني تدق بكلتا يديها مسامير نعش استقرارها الأسري.

ثم إن للاختلاف آداباً وشروطاً منها أن يبقى اختلافاً "واختلاف ألسنتكم" (الروم: 22)، أي: يجب أن لا يتحول الاختلاف الذي يعني التنوع والغنى إلى (خلاف)، وأن لا يتحول (النقاش) إلى (نكاش)، وأن لا تتحول (الكلمات) إلى (لكمات)، لكن الأهم من كل هذا أن لا نفتح (الصندوق الأسود) لذكريات الخلافات القديمة.

إن الذاكرة السوداء التي يحملها أحياناً أحد الزوجين تنغص الحياة الزوجية؛ بل تُحولها إلى (موت زوجي)، كيف السبيل للتعايش مع زوج يذكر زوجته ليل نهار بخلافاتهما القديمة؟ من أين للزوج أن يهنأ بزوجته وهي دائمة التذكير له بأنه السنة الماضية حرمها، والسنة التي قبلها أهانها، والسنة التي قبل قبلها جرح مشاعرها؟

لا تستقيم الحياة الزوجية أبداً إن لم ننزل هذه الجثث من على أكتافنا، يجب أن يكون شعار (عفا الله عما سلف) شعاراً يومياً مصاحباً لكل تفاصيل الحياة الزوجية.

وبدلاً من الصندوق الأسود يجب أن نحمل في قلوبنا وعقولنا صناديق بيضاء تذكرنا بأيادي الآخرين البيضاء علينا، أولاً فضل الله -جل جلاله- الذي رزقنا نعمة الزواج القيّمة، ثم نعمة هذا الشريك الذي لا تستقيم الحياة دونه، ثم نعمة السكن العاطفي والنفسي والروحي والجسدي التي ما بعدها نعمة.
فجزء مهم للغاية من شكر هذه النعم للمولى -جل جلاله- أن نقلع نهائياً عن التذمر والشكوى والاعتراض.

أخرج الإمام مسلم، عن أبي هريرة، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقاً رَضِي منها آخَرَ"، فالتوجيه هنا إلى النظر والاهتمام بالإيجابيات؛ لأن الإنسان السلبي بالمطلق غير موجود، فإذا ركزنا على النواقص والمنكرات وداومنا على إخراج إيذاءات الشريك لنا من الصندوق الأسود الذي نحتفظ به في ذاكرتنا، تحولت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق، بينما إذا تجاوز الزوج عن هنّات زوجته ودفنت الزوجة معايب زوجها في بئر النسيان، سيركز كل من الطرفين على إيجابيات الآخر، وسيصبح عش الزوجية بستاناً أخضر وارف السعادة والاستقرار وراحة البال.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.