المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد صبحي عبدالعزيز Headshot

يناير.. الثورة والأكذوبة وأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:

قادتني خُطاي لهذا المقهى الراقي بأحد شوارع وسط البلد في العاصمة التي لم أكن من قاطنيها، غير أني أزورها من حين لآخر، جلست على مقعدي المعتاد بجوار إحدى النوافذ، وكان زجاجها مرصعاً بقطرات مطر خفيفة ما لبثت حتى احتالت زخات متتابعة جعلت المارة يركضون من شدة هطولها.

أشرت للعامل حتى يحضر لي فنجاناً من القهوة، وضعت فيه ثلاثة مكعبات سكر، وفي أذني سماعتي وسمحت للموسيقى بأن تلهيني عن أحاديث الزبائن، وهنا اتحد البرد والموسيقى وفنجان القهوة حتى جالت بي في غرف الذاكرة الشتوية، وأحضرت لي الخواطر من كل حدب وصوب.

مع كل رشفة كان يزورني طيف ذكرى عذبة، ولا تتفلت واحدة من مخيلتي حتى تحضر أخرى، فهممت بصيد الخاطر وأمسكت الورقة والقلم وبدأت في التدوين.

"1"

الشوارع فارغة تماماً من المارة، فقد يكمُن سحر الشتاء في أنه يُجبِر أولئك التقليديين الروتينيين على الاختباء خلف المدافئ ويُرقِدهم في فُرشهم الوثيرة، بينما يخلّي بيننا -نحن الحالمين- وبين ذواتنا، يسمح لنا بأن ننفرد بالمدينة هادئة كما لم نعهدها، وبرائحة الماء وقد خالطت ثرى الشوارع فألانت قسوته، تسقط حبّات المطر لا يحول بين سماعك صوت ارتطامها بالأرض ضجيج المركبات ولا نداءات الباعة.

إلا أن سحر شتاء يناير/كانون الثاني قبل ست سنوات كان مختلفاً بالكلية، لم تكن الشوارع فارغة، ولا المدينة هادئة، ولا الناس روتينيين تقليديين، زحف مقدس طاف الأحياء ككرة جليد ما كان يمر بشارع حتى تراه يتمدد، جال يكسو المدينة بالبشر حتى كانوا يومها كفُرشٍ من إستبرق، نسيجها مُتقنٌ متجانسٌ باختلاف ألوانه، لا يقدر على حياكته ولا نسجه صنعة بشرية أو تدبير دنيوي.

فقط معزوفة إلهية تناغمت فيها الأسباب والأقدار لترينا لمحة من جميل تدبيرها، فصار الأمر لي تلقائياً بطريقة مُربكة كفاية حتى لا أدري من أين أتوا هؤلاء ولا كيف كنت معهم؟!

عانقتنا الشوارع يومها عناق العائد من سفر طويل، صدقاً لم نشعر أن المدينة تشتاق لنا كتلك المرة، امتلأ الفضاء بصيحات تلامس السماء السابعة، كلما ارتقت إليها صيحة ألقت لنا حبات المطر كجواب بأن سلامٌ عليكم طبتم وطاب ممشاكم.

2017-01-27-1485480716-7582303-25.jpg

"2"

ما زلت أتذكر تلك الشهب البيضاء تتساقط من السماء، لا يلامس أحدها الأرض حتى ترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى، كنت صغيراً حينها لم أدرك حقيقتها غير أنها سلبتني الحياة لدقائق وجعلت جُل ما أشتهيه أن تعود أنفاسي إليّ.

كُتب على أوراق التقويم يومها "الثامن والعشرون من يناير"، لا أدري لماذا؟! ربما كان خطأ مطبعياً أو أن هذا هو الاسم المستعار ليوم القيامة!

الهتاف ربما كان أعذب سيمفونية تلقاها مسامعك، امتلكني صدق نبراته فشغلني عن صوت الرصاص، وداعبتني بحة الحناجر فألهتني عن عواء المدرعات، ونيران الإطارات المشتعلة بدلتنا ببرد الشتاء وخوفه أمناً وسلاماً وستائر دخان تحجب الرؤية عن القناصة أعلى البنايات.

تبدل المشهد آخر اليوم، رأينا الشوارع قد امتلأت يومها بجرذان هاربة بدت لي كعسس المدينة بلون بزّتهم القميئة تلك، كانت جموعهم تفر تحت أمطار الحجارة في طرقات المدينة الجانبية، وما بين المشهدين ضاع في واحد من ثقوب الذاكرة السوداء لا أدري لماذا؟!

2017-01-27-1485482754-7988904-7572fb044c3a4a40820ab5475921af59_500_0.jpg

"3"

وعيد تِلو وعيد، وخطاب تِلو خطاب، والصيحات ترتفع وكذلك الأحذية لا تبالي، الرفاق والأهازيج وأحاديث السمر، كل ذلك لم يترك وقتاً شاغراً تدرك فيه للحظة أنك خارج منزلك تفترش أسفلت أحد ميادين القاهرة الكُبرى في صقيع يناير.

كانت الأعين لا تنام بالليل، والحناجر لا تفتر عن الهتاف بالنهار، لم تقر القلوب حتى تمّ لها ما أرادت، حينها تحولت الأرض تحتنا رخوة نضرب بأقدامنا فتتفجر الحشود خلالها تفجيراً بإذن الله، وتلألأت النجوم وتأنقت كأنها تغازلنا، وانتصف القمر في ظلمة السماء متملقاً فلم نأبه له.

صخب الميدان كان يشوش على خفقان القلب الخائف فلم يبقَ له صدى، وكان شعور الريبة من المجهول أيكون "هو أو الفوضى" هو آخر حطام القهر المتبقي بعد أن هدَّمت حصنه بضعة أيام رأينا فيها يد الله تنزع ممن تشاء ملكاً، وتؤتيه من تشاء.

"4"

"كذبت عليّ يا صديقي..
أتذكر تلك الأكذوبة بتفاصيلها، كان البرد يحتضن كلانا بدفء الأخوة، ظلام دامس قد أضاءه اشتعال الحماس والأمل في نفوسنا، يدي المجروحة تضمد رأسك، بينما تكفكف يداك دمعي، أرواحنا وقد عانقت بعضها بعضاً حتى صارت روحاً واحدة في جسدين، نظرات الأمل تلك التي تبادلناها بابتسامة أضاءت لنا ظلمة الطريق تفاؤلاً وأملاً بصبح يسوء فيه صباح الظالمين.

حديثك بأن لا ظلم بعد اليوم، وأن لا رصاص سيقطع نبض قلوبنا التوّاقة للحياة، ولا خرطوش سيحيل بريق أعيننا عتمة، وألا غاز سيكتم الهتاف في حناجرنا.

كل ذلك أكذوبة كبيرة، أخبرك سراً لم أخبره أحداً قبلك؟
عشقتك، وعشقت أكذوبتك.."

بعد أن خالط البارود جسده، وارتمى في يد صديقه، ولطخت الدماء ثوبه، تمتمت شفتاه الباردتان بهذه الكلمات التي كانت الأخيرة قبل أن ترتقي روحه حرة إلى عالم بلا أكاذيب، رحل ولم يدرِ أن القوم من بعده عبدوا العجل، رحل وما زال الناس يتساءلون "إيه اللي وداهم هناك؟".

مضى مدركاً أنها أكذوبة، وتركنا لا ندري ما الحقيقة، ومضينا نحن وذكرى يناير تتلاعب بنا، تستخف الأشواق فينا حيناً بعد حين، وتخالط بحبات المطر دمع الرثاء.

2017-01-27-1485482938-747093-s220113105520.jpg

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.