المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد شوقي Headshot

الإخوان المسلمون إلى بيت الطاعة بعد إتمام المصالحة

تم النشر: تم التحديث:

عندما نتحدث عن المصالحة بين الحكم العسكري والإخوان المسلمين نتذكر مقولة الدكتور فرج فودة، هذا الكاتب والمفكر المبدع، حينما تنبأ بصعود الإسلاميين إلى الحكم في ظل غياب قوى مدنية حقيقية وفاعلة، بقوله: تبدأ الدائرة المفرغة في دورتها المفزعة، ففي غياب المعارضة المدنية، سوف يؤدي الحكم العسكري إلى سلطة دينية، ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الانقلاب العسكري، الذي يسلم الأمور بدوره بعد زمن يطول أو يقصر إلى سلة دينية جديدة.

وهنا نتساءل: لماذا تغيب المعارضة المدنية في ظل الحكم العسكري؟ القوى المدنية الموجودة حالياً في مصر تفتقر إلى العقيدة والمنهج القائم على أسس لا تتغير، دائماً نسمع منها عن القيم والمبادئ والحرية والديمقراطية، وهي مبادئ في عمومها تنادي بها جميع القوى السياسية، المدنية منها أو الإسلامية، تفتقر هذه الأحزاب إلى الفكرة أو نظرة مستقبلية تؤمن بها وتدافع عنها، تستطيع أن تعمل وتقاتل وتسجن من أجلها، بعكس جماعة الإخوان المسلمين الذين يملكون عقيدة اتفقنا أو اختلفنا حولها، فهم يقاتلون ويقتلون من أجلها، وفي غياب العقيدة انقسمت القوى المدنية الحالية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: هو ذلك القسم الذي فضل أن يكون بجانب السلطة وتحت كنفها وتسخير كل قدراته وإمكانياته للاستفادة قدر الإمكان من وجوده داخل هذه السلطة وهؤلاء ستجدهم دوماً يبحثون عن مصالحهم الشخصية مقابل المال والمنصب أو الحماية من قِبل الدولة (رجال الأعمال) وستجدهم حتماً مع كل نظام وأي نظام، وللأسف يحسبون على القوى المدنية بطبيعة الحال.

القسم الثاني: هو القسم الذي ينظر إليه على أنه رمز لهذه المدنية، كافح من أجل المدنية، وللكفاح أشكال وأساليب دون التطرق لها، ولكن مع تزايد الضغوط من قِبل الدولة، لم يصمد هذا القسم أمام كم الضغط (لا نعرف درجة قوته)، ولأننا نؤمن أن لكل إنسان قُدرة تحمل، بمقدار شجاعته وإيمانه بقضيته لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر، وهي لم تطل على أية حال وللأسف، سجن منهم الكثير وفر منهم الكثير ناجياً بنفسه، أو كما قال الدكتور محمد البرادعي: لن أستطيع أن أسبح بمفردي عكس التيار، وبمقدار ما نحمله لهذا الرجل من توقير واحترام واقتداء بمقدار ما نلوم عليه ظنونه أنه بمفرده دون أن يستبين الحقيقة، وأن يكون هو الجماعة حتى، وإن كان فرداً.
أو قد يصدق فيه قول المتنبي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ** وصدق ما يعتاده من توهم

القسم الثالث: هم أصحاب القاعدة المدنية الواسعة الذين يعيشون في المجتمع ويبصرون الوضع ويلتزمون الصمت في انتظار من ينهي حالة الصمت، ويأتي بحراك جديد ونحن نراه بعيداً كل البعد.

فظل هذا التشرذم للقوى المدنية لا توجد قوى قادرة على مناكفة الحكم العسكري غير القوى الإسلامية (جماعة الإخوان المسلمين).

ولكن لماذا لجأ المجلس العسكري لعقد الصفقات لوصول الإسلاميين للحكم والجميع يعلم مدى العداء بينهما؟ ولمَ رفض اللجوء للقوى المدنية لكي ترتب صفوفها وتستطيع الوقوف أمام الإسلاميين في أي إجراء انتخابي، وهم الأقرب للعسكريين فكرياً من الإسلاميين؟ ليس لأن الإخوان أكثر تنظيماً أو أكثر قدرة للحشد الشعبي أو خوف الجيش من غضبهم مطلقاً، وإنما لأنهم أكثر انصياعاً وانضباطاً، وأنهم لا يستطيعون الخروج من بيت طاعة العسكر، بعكس الليبراليين والعلمانيين ودعاة المدنية فهم كثر، ولكل منهم وجهة نظر وآراء مختلفة، ويختلفون مع العسكر، ومن الصعب إدخالهم بيت الطاعة والسيطرة عليهم.

لكن هذه النظرية تبخرت في 12 أغسطس/آب 2012م بعد أقل من شهرين من انتخاب الرئيس الأول للجمهورية محمد مرسي، بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وإحالته المشير محمد حسين طنطاوي للتقاعد بقرار رئاسي، ومنحه قلادة النيل، وكما لو أن فيضان النيل أتى مع القرار، تأكد العسكر أن مع هذا القرار بوادر خروج الإخوان المسلمين من بيت الطاعة، وهم الذين لم ينظروا بطرف أعينهم على إمبراطورية الجيش الاقتصادية، ومن الأكيد أنهم أيضاً لم يجرؤوا على التفكير فيها، ولكن كان قرار عزل المشير كافياً لعزل أول رئيس منتخب، وإرجاع الإخوان إلى بيت الطاعة من جديد.

ومن المؤسف والمحزن والمضحك أن جماعة الإخوان المسلمين جعلت من شخص عبد الفتاح السيسي كبش فداء لكل الأحداث المؤسفة والجرائم التي وقعت بحقهم، وهنا يأخذنا الحديث للمصالحة، بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، انقسمت الجماعة إلى قسمين يمثل كل منهما جيلاً بعيداً كل البعد عن الآخر، تفصلهم عقود من التجارب والخبرات وعهود من الطاعة للحكم العسكري جيلاً لم يشهد يوماً على عقد الصفقات بين الجماعة والعسكر، وهو فريق الشباب تحت قيادة محمد كمال، وهذا الفريق تمت تصفيته بتصفية القيادي الإخواني محمد كمال في 4/10/2016م؛ لتخلو القيادة للقسم الثاني (العجائز) بقيادة محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، ذلك القسم الذي يرى أن الإخوان خسروا المعركة، وعلينا العمل لإعادة تماسك الجماعة مرة أخرى بانتظار الجولة القادمة مع الحكم العسكري.

وعليه.. فمع خروج الإخوان المسلمين من السجون وممارستهم الحياة السياسية في ظل الطاعة للمؤسسة العسكرية وخروج عبد الفتاح السيسي من السلطة، وهنا نشير إلى أن عبد الفتاح السيسي من المؤكد أن يكمل فترته الرئاسية الأولى ومحتمل ترشحه لفترة رئاسية أخرى، أي بعد انتهاء ولايته الثانية لكي لا يطلبوا الإخوان إلا ما يريد الحكم العسكري إعطاءه دون أي ضغوط.

نحن بانتظار هذه المصالحة في نهاية 2018م أو بنهاية 2022م، أم ستقبل جماعة الإخوان المسلمين الهدنة دون المصالحة مع الحكم العسكري في ظل وجود عبد الفتاح السيسي وهو ما لا نستبعده، وستكون دوافع الإخوان المسلمين "خسارة قريبة ولا مكسب بعيد"؛ لتتحقق المصالحة النهائية بعد خروج السيسي من الحكم.

ليس كل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.