المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد شوقي المقدم Headshot

هل آن الأوان لقبول نظرية التطور؟

تم النشر: تم التحديث:

حظيت نظرية التطور بسمعة سيئة في الأوساط الدينية منذ أن وضع تشارلز داروين أسسها العلمية في كتابه "أصل الأنواع"، وفي حين تداركت الكنيسة الرومانية موقفها العنيد ضد التطور بأن اعترفت في القرن الماضي أن النظرية لا تتعارض مع تعاليم الإنجيل، فما زال العالم الإسلامي ينظر بعداء وتأهب لهذه النظرية، بل إن البعض يراها مؤامرة غربية ضد الإسلام بالذات.

في هذا المقال أحاول أن أستعرض الأدلة العلمية على وجود الأصل المشترك بين الكائنات الحية، والذي يعد إحدى دعائم نظرية التطور، وأدعو القارئ العزيز إلى أن يترك أحكامه المسبقة لبعض الوقت حتى يستطيع تحليل هذه الأدلة بنظرة فاحصة منصفة.

1- أدلة التشريح المقارن Comparative Anatomy:

أ‌- التشريح المقارن يظهر التشابه المدهش في تكوين الكائنات الحية كعظام الأطراف الأمامية المتشابهة بين الثدييات، سواءً كانت هذه الثدييات تعيش في الماء أو تطير أو تمشي على الأرض.

ب‌- وجود حالات بين النساء ينمو فيها ثدي زائد، مما يدل على أن الإنسان احتفظ ببراعم أخرى لإنتاج أثداء أكثر كما في باقي الثدييات، ولكن هذه ضمرت ولم يبقَ سوى اثنين، فإذا كان الإنسان خُلق خلقاً مباشراً لمَ إذن توجد لديه هذه البراعم الضامرة؟

ت‌- وجود ما يسمى بالأعضاء الأثرية Vestigial structures وهي أعضاء موجودة في بعض الكائنات دون أن يكون لها وظيفة، بينما نفس الأعضاء لها وظيفة في كائنات أخرى مثل عضلات تحريك الأذن الضامرة لدى الإنسان والمخلب الأثري الموجود في الكثير من الحيوانات كالكلاب، هنا نجد مرة أخرى أن فكرة الخلق المباشر لا تفسر خلق الكائن الحي بأعضاء ضامرة هو ليس بحاجة إليها.

ث‌- يُظهر التشريح المقارن الحلقات الوسطى بين الكائنات الحية كالبرمائيات التي يتنفس صغارها عن طريق الخياشيم، أما عند البلوغ فيتنفسون عن طريق الرئة، وبالتالي تعتبر حلقة وسطى بين الأسماك والزواحف، والحيوان المدرّع Armadillo الذي يمثل الحلقة بين الزواحف والثدييات، فهو يُرضع صغاره كالثدييات، ولكنه يبيض كالزواحف.

2- أدلة النشأة الجنينية:

يوجد تشابه مذهل بين الكائنات المختلفة أثناء الفترة الجنينية، فأجنّة الفقاريات ومنهم الإنسان لديهم ذيول، وما يشبه الخياشيم، دون أن تكون هناك حاجة لتلك الأعضاء.

3- أدلة سجل الحفريات:

سجل الحفريات الذي زاد ثراؤه بشكل كبير منذ وقت داروين يوضح التتابع في ظهور الكائنات الحية على الأرض، فتوجد أوقات كانت فيها كائنات معينة هي المسيطرة ثم تنقرض لتخلفها كائنات أخرى، وهذا التتابع في الظهور لا يتوافق مع نظرية الخلق المباشر التي لو كانت صحيحة لوجدنا حفريات جميع الكائنات في كل الحقب الزمنية التي مرت على الأرض.

يوضح سجل الحفريات أيضاً الحلقات الوسطى بين الكائنات الحية، وهو مستمر في إيجاد المزيد من هذه الحلقات، مثال على ذلك حفرية الأركيوبتيركس وهو زاحف ظهر عليه الريش كخطوة انتقالية إلى تكوين الطيور.

هذا بالإضافة إلى أن هذا السجل يحتوي على حفريات عديدة تشير إلى أشباه الإنسان كحفريات الإنسان المنتصب Homo erectus وإنسان نياندرثال Homo neanderthalensis والتي تشير إلى أن الإنسان مر بمراحل تطورية إلى أن وصل لصورته الحالية.

4- أدلة البيولوجيا الجزيئية: Molecular Biology

نختم عرض أدلتنا بأدلة البيولوجيا الجزيئية التي تعتبر أقوى الأدلة على وجود الأصل المشترك بين الكائنات الحية؛ لأنها لا تتناول التشابهات الظاهرية بل تتناول التشابهات العميقة التي تصل إلى مستوى الجزيئات المسؤولة عن تكوين هذه الكائنات، من هذه الأدلة:

أ‌- إذا نظرنا إلى النظام الذي تتبعه الكائنات الحية لحفظ وترجمة البيانات الوراثية نجدها واحدة في جميع الكائنات، فالحمض النووي أو الدنا DNA الذي يحمل بصمة الكائن الوراثية ينقل معلوماته عن طريق جزيء الرنا RNA كي تتم ترجمتها إلى بروتينات.

ب‌- الدنا DNA في جميع الكائنات الحية يتكون من نفس الأربع قواعد التي يرمز إليها بـA وT وC وG.

ت‌- البروتينات في جميع الكائنات الحية تتكون من نفس العشرين حامضاً أمينياً رغم وجود العديد من هذه الأحماض في الطبيعة.

ث‌- تستخدم جميع الكائنات الحية نفس السبل الأيضية لإنتاج الطاقة.

ج‌- التشابه الواضح بين الكائنات في تسلسلات الجينات التي تؤدي نفس الوظائف، مثال على هذا التشابه هو الجين المدعو أيلس eyeless المسؤول عن تشغيل آلية صنع العين وقد لاحظ العلماء تشابه هذا الجين بين الإنسان والفأر وذبابة الفاكهة، هذا التشابه أغرى العالم الكبير والتر جيرينج بأن يجري تجربة جريئة، وهي إدخال جين أيلس سليم قادم من الفأر على ذبابة فاكهة عندها عطب في هذا الجين، فلا تستطيع تكوين العين، النتيجة المذهلة كانت أن الجين عمل بكفاءة هائلة وصنع عيناً للذبابة بأن شغل آلية صنع الأعين لديها.

ح‌- التطابقات المذهلة في العديد من البروتينات بين الأنواع المختلفة فمثلاً إنزيم السيتوكروم سي cytochrome C المكون من مائة وأربعة أحماض أمينية متماثل تماماً بين الإنسان والشمبانزي ويختلف بدرجات متفاوتة بين الإنسان وباقي الكائنات وفقاً لبعد أو قرب الأصل المشترك زمنياً.

خ‌- وجود الجينات الكاذبة pseudogenes يُعد من أقوى أدلة وجود التطور، فهذه الجينات فقدت وظيفتها لدى أنواع معينة من الكائنات واحتفظت بهذه الوظيفة في كائنات أخرى، مثلها مثل الأعضاء الأثرية، ولكن على مستوى الجينات.

الإنسان لديه العديد من هذه الجينات كالجينات المسؤولة عن إنتاج مستقبلات الشم Olfactory receptors والتي أصبح العديد منها لدى الإنسان غير نشط بينما هي في قمة نشاطها لدى الحيوانات كالكلاب والفئران.

مثال آخر له أهمية خاصة هو الجين المسؤول عن إنتاج بروتين اسمه MYH16 وهو أحد البروتينات المسؤولة عن تكوين عضلات الفك، فهذا الجين به عطب جعله غير نشط لدى الإنسان، ولكنه نشط لدى جميع القردة العليا، مما أدى إلى ضعف عضلات الفك لدى الإنسان بالمقارنة بهذه القردة، وسبب أهمية هذا الاكتشاف هو أن الكثير من العلماء يرون فيه تفسير لاختلاف حجم مخ الإنسان عن باقي القردة العليا، فعضلات الفك موصولة بالجمجمة وعندما تكون قوية لا تسمح بتمدد الجمجمة أكثر من حجم معين؛ لذا فضعف هذه العضلات لدى الإنسان كان سبباً في تخفيف الضغط على الجمجمة مما مكنها من التمدد أكثر لاستيعاب مخ أكبر أكثر تعقيداً، مرة أخرى تفشل نظرية الخلق المباشر في تفسير خلق الكائنات بجينات معطوبة غير نشطة كما فشلت في تفسير خلق الكائنات بأعضاء أثرية.

د‌- ظلت هناك مشكلة أمام فكرة التطور والأصل المشترك تتعلق بأن عدد الكروموسومات البشرية (وهي التي تتكون من الدنا DNA) هو 46 كروموسوم (23 زوجاً) أما عدد كروموسومات القردة العليا كالشمبانزي والغوريلا هو 48 كروموسوم (24 زوجاً)، فكان السؤال هو: لماذا هذا الاختلاف لو أن للإنسان والقردة نفس الأصل؟ لم يفتّ هذا في عضد المؤمنين بالتطور الذين خرجوا بالتفسير الوحيد المقنع لهم وهو أننا حتماً أخطأنا في إحصاء عدد الكروموسومات البشرية. بالطبع لم يكن هذا كافياً فعكفوا على إثبات صحة هذا الحدس إلى أن نالوا مرادهم باكتشاف أن كروموسوم 2 في الإنسان هو في الحقيقة عبارة عن كروموسومين منصهرين لهما ما يقابلهما في كروموسومات القردة العليا، وبهذا تحول التنبؤ المبني على نظرية التطور إلى حقيقة علمية، مما يدعم بقوة صدق هذه النظرية.

مررنا سريعاً في هذا المقال على أهم الأدلة العلمية على وجود الأصل المشترك، وفي المقال القادم أناقش كيف لا يتعارض النص القرآني أو قصة خلق آدم وحواء مع النظرية بتاتاً، بل إن بعض الآيات أوحت بحدوث التطور.. فأرجو أن يحتفظ القارئ بنفس العقلية المتفتحة إلى أن نلتقي ثانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.