المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد شعبان نبوي Headshot

ميدان التحرير من جديد

تم النشر: تم التحديث:

يقال إنه "بعد السَّكْرة تأتي الفكرة"، لكن لربما تأتيكَ الفكرةُ في أثناء السَّكْرة. لا داعي هنالك الآن لمزيد من التعقيد.

انتهى الضجيج الآن بداخلي، وربما يمكنني القول إنه انتهى بشكل كبير في شوارع القاهرة، أدام الله عليها ليالي الفرح والبهجة، فإن أقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن مكة أحب البلاد إلى قلبه، فإنا لَنقسمُ -والله صادقين- بأن مصر على العموم والقاهرة على الخصوص، هى أحب البلاد إلى قلوبنا. وإنا لَنقولُها بملء الفيه في غير قومية مقيتة، أو عنصرية مقززة. ولولا أن حاكميها غبنونا فيها، ما تمنينا غيرها سكنى، وما اخترنا سواها وطناً.

لبعض الأماكن كثافة من المشاعر وتمثُّلات لا يشبهها ما سواها. لا تصدُق هذه العبارة صدقها على ميدان التحرير، يظل لهذا المكان رمزية شاعرية في كل المؤمنين بـ"يناير" الفكرة والروح. حتى في متخيَّل أولئك الذين شاركوا في مواقع لا تقل وطأة عن "يناير"، يظل للميدان تلك الحظوة في القلوب لا يبلغها ما سواه. بعد نهاية المباراة، عبرنا من وسط البلد ودخلنا الميدان، الآلاف يتظاهرون ويحتلفون، يرفعون الأعلام ويرددون من الهتافات ما أرادوا وما شاءت به قريحتهم، المهم ألا يقض مضاجع السادة على وسائدهم. باختصار، المهم ألا يقترب من السياسة، هذا الحد فلا تقربوه.

وصلنا إلى الميدان بمسيرة تعدداها بالآلاف، وبمجرد دخولنا الميدان كأن خطاً فاصلاً قطعناه لننتقل من حالة إلى أخرى، في قلبي، انطفأ الضجيح وإن لم ينطفئ على لساني، الذي ظل يردد مع الجموع المبتهجة بالصعود. لكن في صدري أُضرمت نيران حارقة، لا تذهبها ضحكات أو هتافات. ذكريات "يناير" تتداعى إلى الذاكرة، تسأل نفسك: ما الفرق بين اليوم والأمس؟ الوجوه هي الوجوه، والطيبة هي الطيبة تكسو الوجوه. لكن فروقاً كثيرة كان يفرضها العقل في غير تؤدة بين الأمس واليوم. حاولت أن أتجاهلها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

الميدان في عينيّ صار حزيناً بين لحظة وضحاها. أدخلونا الميدان، سمحوا لنا بالهتاف، وبالضجيج. فقط لأنهم يعلمون آخرنا، يعلمون أنا ما جئنا ثواراً نحمل الأكفان على أيادينا كما حملها ملائكة "يناير"، شهداؤها. أدخلونا لأنهم "قادرينا" كما يقول المثل الشعبي.

كمٌّ هائلٌ من التنظيرات السياسية يتداعى الآن إلى ذهني، لكن هل تهمُّ هذه التنظيرات على الحقيقة؟ أؤمن من أعماقي بأن الشعور مقدَّم على النظرية، وأنه من المهم أحياناً أن نترك ذواتنا لسيولة اللحظة وشاعريتها تأخذنا حيث شاءت.

لذا، فرغم كثرة ما يمكن أن يلوكه المرء هنا من تنظيرات سياسية، ستبدو في الأغلب سخيفة ومملة أمام وطأة الواقع وبشاعته. وستبدو ربما أيضاً درباً من التعقيد، وتحميلاً للحظة فوق ما يمكن لها أن تحتمله، باعتبارها حدثاً كروياً بسيطاً لا يحتمل كل هذا التعقيد. رغم إدراكك كل هذا، فإنه ستصفعك أسئلة من قبيل: ماذا لو أن الميدان كان له قائد كما كان للمنتخب قائد اسمه محمد صلاح؟ أكان الأمر يختلف؟ ربما.

تحاول في لحظة أخرى أن تقلد زيغمونت باومان في سيولته الشهيرة، فتسأل: هل يكون حل التغيير في مصر فعلاً سائلاً مُربِكاً للنظام بشكل موسع وعلى نطاق ممتد؟ تجيب على نفسك بأن هذا حدث في "يناير"، وهم قد فهموا اللعبة. ولا يُلدغ مؤمن من جحر مرتين. ورجاءً لا تقف عند لفظة "مؤمن" كثيراً.

تحلِّق الطائرات فوق الميدان، تطمئن إلى أن القطيع ما زال في طريقه، وأن الخرفان في نظرهم لم يغيروا الوجهة. يبدو الأمر مهيناً، نبدو كأننا نوق تُساق. يبدو أن الميدان حتى حزين على آخره. حاولت جاهداً وسط هذا الضجيج أن أتجاهل أصواتاً كثيرة أتخيلها في أذني، تخيلت وهلةً أن كل شهيد من شهداء يناير يوقفنى ليسألني: لم هذا الجمع؟ لماذا أتيتم؟ هل رحل مبارك؟ نعم، رحل مبارك لكن أتى من بعده...!

تتلعثم الكلمات على اللسان، ويسود الصمت، وأرحل حاملاً معى كآبتي التي أنثرها الآن في هذه السطور، لا لأعكنن عليكم فرحة الصعود. لكن في الحقيقة ضننت على نفسي بكل هذه الكآبة فشاركتكم إياها.

النهاية واحدة على الحقيقة، لا يمكنك أن تتجاهل الدماء ولن تستطيع أن تخلي بين نفسك والسياسة مهما حاولت. ستطاردك حتى في سريرك، في ليلك البهيم. وأنت كذلك، لن تستطيع في الوقت نفسه أن تقاوم فرحة الطفل بداخلك ولا صخب الشباب في عظامك. ولا يلزمك أن تقاوم هذا على الحقيقة، ولست مطالَباً بهذا في أي لحظة من اللحظات.

علينا ربما أن نستسلم مذعنين لكل هذا الاضطراب بداخلنا، علينا أن نتواضع وأن نقبل بهذا الضعف، وفقط فلنقاوم إلى أن ينسوا أنهم قتلونا أو أن ننسى أننا قُتلنا. ولنحفظ دائماً ما للتحرير من حظوة في القلوب، هذا ميراثنا الوحيد من تاريخ الملحمة.. من "يناير".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.