المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد شعبان نبوي Headshot

جيل الأحلام الكبرى والخيبات العظام

تم النشر: تم التحديث:

في يومٍ من أيامِ الله، سقطَ زينُ العابدين بن علي، وأدركَ الجميعُ أن كُرَةَ الثلجِ بدأت بالحراكِ وها هي تتمددُ لتكتسحَ من تَجِدُه في طريقها.

في مصر يصحو القومُ على نداء "الشعبُ أسقطَ النظام"، بعد أن سمعوا أخاً لهم يصرخُ في تونس الخضراء "بن علي هرب"، يتلقفُ الحالمون بالتغييرِ في اليمن وسوريا وليبيا النداء، فيخرجون كما خرجَ إخوةٌ لهم في تونسَ ومصرَ قد سبقوهم للحرية.

الشعوب تتحررُ، وما كان حُلماً وردياً، لا يتعدى أَسِرَّةَ النائمينَ، ها هو يصيرُ واقعاً ملموساً؛ ليجوبَ بلادَ العربِ التي طال شوقُها لمعاني الحرية والكرامة، التي استوحشتها الألسنةُ من طول عَهدِها بالاستبدادِ والقهرِ.

لكن وبين عشيةٍ وضُحاها، يعود الركبُ كما بدأ، وكما بدأت الثورةُ تعود، وها هي أحلام الحالمينَ بالتغييرِ تذهبُ أدراج الرياح، الجيوشُ ترفضُ أن تتركنا نحيا، ويأبى العسكرُ إلا أن يعيدونا لعهدنا الأول من الاستبدادِ والقهرِ وضياع الكرامة، والحرية، ومعها ضياع الحياة، فما الحياة إن لم تكن حرية؟! ومع الوقت تتوالى الإحباطات وتزداد الخيبات والنكبات، وها هي الرياح تأتي بما لا نشتهي، بطشٌ بثورةِ سوريا، وانقلابٌ على ثورةِ مصر، ونظامٌ قديم يعود في حُلّة جديدة ليعيدَ تونس كما بدأت، وكأنه ما قامت ثورةٌ، ولا مات بوعزيزي، الأمر لم يختلفُ البتة في اليمن أو ليبيا، سيان هنا وهناك، ولا شيء يتردد في الأُفُق سوى لحن الخيبةِ الكئيب.

مع هذه الإحباطات اختبَرنا - نحن جيلُ الشباب - عجز اللغة نفسها، قُصورَها، محدوديتها، وليس فقط ضيق معجمنا، في التعبير عما يجري، قرر البعض ونتيجة لذلك أن يلوذَ بالفرارِ من واقِعِه وخيباته، وبدا أن ثمة جيلاً جديداً يتشكلُ في الأفقِ، جيلاً ينسُجُ لنفسِه عالماً خاصاً يتقوى به على واقِعِه، عالماً يُجملُه بمجموعةٍ من الأفلامِ التي تجعلُه يحيا لحظات من الخيالِ، لم يستطِع أنَّ يحياها في الواقعِ، فيصعد الفضاء مع جورج كلوني في"tomorrow land"، ويحبُ إحداهن ويتزوجها في سلام مع توم هانكس في "you've got mail"، ويحقّقُ الثراء مع دي كابريو في the wolf of wall" street، ويغامرُ مع جوني دب في "pirates of the caribbean".

هؤلاء البعض ستراهم غالباً لا تفارقهم سماعات الأذن، سواءٌ بحجمها الكبيرِ أو الصغيرِ، يضعونها في المواصلات وفي الطرقات، في الجامعةِ، وربما داخل المحاضرات، هي لا تفارِقهم ولا يفارقونها، كطفلٍ صغيرٍ يتشبثُ بأمِه خوف التيه والضياع.

المزيكا هنا وفي هذه الحالة تخرجُ من كونها فعلاً ممتعاً يصنعُ البهجَةَ، إلى كونها فعلاً دفاعياً يمارسُونه ليوقفوا به ضجيجَ العالم، صَخَبُه الذي لا ينتهي، يتمردون بالمزيكا على الواقعِ، يحيون مع عزيز مرقة وأميمة خليل وغادة شبير ومنير وفيروز وآخر زفير وجدل وأم كلثوم وadele وtaylor swifft وeminum، حياةً لم يستطيعوا عيشها في واقِعهم، خذلهم الواقعُ وأنصفتهم المزيكا، لا لشيء! إلا لأنَّ الموسيقى مُذْ وجدت وما كان غرضُها إلا أن تقلل بؤسَ العالم، أو كما يقول المثل الغربي "music always help".

هذا البعض لا تخلو حقيبةُ ظهره من بعض الكتبِ والروايات، كتلك التي يكتبها عرابُهم توفيق، فتراهم يقرأون لماركيز "100 عامٍ من العزلةِ"، وعقلهم ما زال مع ساراماغو في "هكذا كانت الوحدة"، يقرأون في كتبِ الفكر بحثاً عن حلِ لواقعهم، فتجدهم يتعثرون بأسئلةِ الفلسفة، فيسقطون في فرعها من الأنطولوجيا؛ حيث الأسئلة السرمدية: مَن أنت؟ ومن أين جاء العالم؟ وإلى أين ينتهي؟ يقرأون الواقعَ بعيون الخيالِ، ضاق بهم الواقع واتسعت لهم صفحات الكتب، هم في الغالب لا يفوتون أي فعالية ثقافية أو فكرية، من ندوات هنا لمؤتمرات هناك، ومن نقاش هنا لنقاشٍ هناك، يتغذَّون على مجموعة من المقالات، يقرأونها يومياً بلا كلل أو ملل، يُمضون الوقت، يقتلونه ربما، يتحرشون به حتى لا تغتصبَهم عدميةُ عدم الفعلِ وعجز التغييرِ.

يسيرون دائماً في لا مبالاة مزعجةٍ للآخرين، أولئك الآخرون الذين َيعُدُونهم في خانةِ الأعداء، فهم من خَذَلوهم مراراً، وضيعوا صرحَ الثورةِ الذي بنوه بدمائهم ودماء إخوةٍ لهم -أو هكذا يظنون- تراهم يتمردون ويعترضون دائماً، وحدهم هم منْ يثبرون أغوارَ السلطةِ أينما حَلَّتَ وكيفما كانت، يعرفون زيفها وخداعها، هذا البعض من الصعب أن يتوافقَ مع والده على طولِ الخط، ناهيك عن أن يتوافق مع إدارة القسمِ أو عميد الكليةِ، أو دكتور المقرر، هو ناقم دائماً، متمردٌ على الواقع ومَن فيه، كيف لا وقد خذلهُ هذا الواقع على طولِ الخطِّ ولم يُنصفه يوماً؟!

هذا البعض لا يملُ السؤال، لا يملُ البحث، ربما ملَّ منذُ زمن من الحصولِ على الإجابات، لكنه لم يمل يوماً من طرحِ الأسئلة، ربما كانت تقصدهم هبة رؤوف عزت حين كتبت في إهدائها لكتاب "الخيال السياسي للإسلاميين":

إلى الذين لا يملون السؤال.. أبداً.

يوصفون أحياناً من الآخرين سالفي الذكر بالعمقِ وبالابتذال، بالفشلِ عن التعاملِ مع الواقع، بالعدمية، وبعدم القدرة على تحملِ المسؤولية، بالتعقيدِ، بالاختلافِ عن الآخرين، بالخروجِ عن التقاليد، سواء تلك التقاليد المتعلقة بالدينِ أو المجتمع، يوصمُون أحياناً بقسوةِ القلب، وأحياناً بالعجز، إلى غيرها من الوسوم التي لا تعبر إلا عن تصورات قائليها عن هؤلاء البعض.

كيف نصفُهم نحن إذاً؟
هم مزيجٌ مزعجٌ من كل هذه الصفات.

هذا الجيلُ الذي تشكلَ من رحمِ الخيبات، لم يعد يعبأ بتلك الشعارات الرنانة التي تبشرُ بالتغييرِ، لم يعد يُلقي بالاً للسرديات الكبرى والغايات الحالمة، أظنهم توقفوا منذُ زمن بعيد عن أنَّ يحلموا للوطن، وضنُوا بأحلامهم لأنفسهم، تبدلَت أحلامهم وما كان يوماً ما حُلماً بوطنِ ناهضِ، يخلو من القهرِ والفسادِ، بات حُلماً بجوازِ سفرِ للخارجِ، وسيكون من الجيدِ أنَّ يكون هذا الخارج ألمانيا أو إيطاليا، أو أي بلد لا يذكرهم بماضيهم المُغتَال، ماضي العرب الذي بيعَ في أسواق النخاسة بزهيدِ الأثمان.

مَلُوا من السياسة ومن جدالاتها التي لا تنتهي، لم يعد يعنيهم الأمر كثيراً، يعلمون أنَّ كل هذا الهُراء ما هو إلا تَبِعات الزلزال -أعني خيبتهم الكبرى- ثورتهم التي ضاعت، وظل دمُها المسفوكُ والمطبوعُ على دبابات العسكرِ وملابس الجنرالات الملطخة بالدماء شاهدَ صدقٍ على ما حدث، والتاريخ لا ينسى.

مَن السببُ إذاً؟ ضحايا هم أم جناةٌ مجرمون؟ الدولة التي أغلقت المجالَ العام في وجههم، واعتقلت الشباب والشيبة، أم النخب التي باعت أحلامهم في مزادِ السلطةِ وبهرجة الكراسي؟ أم العجائز الذين رضوا بويلات الخنوع والخضوع لما يطلقُون عليه أمراً واقعاً؟

المؤكد هنا أنهم ومهما أظهروا من رباطةِ جأش، ولا مبالاة، وعدمية في تعاملهم مع الواقع، فالمؤكد أنهم يعيشون حياة هشة، حياة مهددة طيلة الوقت، من فرطِ الأسئلة التي لا إجابات لها، ومن فرط الوعي بالواقع؛ فأن تعي يعني أنَّ تتألم، وهؤلاء وعوا وشربوا من كؤوس الوعي حتى الثُّمَالة؛ لذا فواقعهم هش؛ لأنه واقع صنعَ من الخيالِ، هو واقع في عوالم أخرى؛ لذا تراه واهناً كبيوت العنكبوت، لكنه في النهايةِ وبالنسبةِ لهم خير من التماهي مع واقعهم الفعلي.

أظنهم ورغم كل شيء يفضلون هشاشة الخيال الحقيقي على تماسك الواقع المزيف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.