المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد سالم Headshot

مَن ينتصر في معركة احتكار سلاح المعلومة: تنظيم "ولاية سيناء" أم القوات الحكومية المصرية؟

تم النشر: تم التحديث:

بعيداً عن التضخيم الإعلامي من قدرات تنظيم "ولاية سيناء" أو التقزيم من قدرات القوات الحكومية المصرية، يمكننا القول إن كلا الطرفين يعتمد على الاختراق بشكل كبير لمعرفة تحركات الطرف الآخر.

وبما أنني لست ممن يؤمنون بامتلاك تنظيم "ولاية سيناء" شبكة استخباراتية قوية؛ فلا أعداد أعضاء التنظيم تسمح له بذلك، ولا هو يحظى بجذور ضاربة في بنية المجتمع السيناوي توفر له حاضنة شعبية يمكن أن تشكل له رافداً معلوماتياً، ويبدو أن قيادة الأمن المصري في سيناء تشاركني هذا الاعتقاد.

فالقوات الحكومية باتت على قناعة كبيرة أن هناك من يسرب أخبار تحركات قواتها وموعد خروج حملاتها للمسلحين، ويستقطبها نحو هذا الاعتقاد المؤشرات المتكررة التي تكشف تعاون عناصر من الأمن المصري مع المسلحين، إذ إن التنظيم قد نجح سابقاً في اختراق الجيش المصري وتجنيد بعض الضباط في خدمة التنظيم وأهدافه.

هذا الشهر حملَ لنا الجديد لأول مرة وبشكل علني؛ الأمن المصري يحيل اثنين من أمناء الشرطة في سيناء إلى النائب العام بسبب التعاون مع مسلحين مقابل تقاضي أموال، كما تم نقل إيقاف أمناء شرطة آخرين؛ ومع هذا تؤكد المصادر الأمنية وجود حالة من التخبط والارتباك الشديد تعيشها قيادة الأمن المصرية بسبب عدم القدرة على إيقاف هذا الاختراق حتى الآن.

حرب الأدمغة بين الطرفين خلال الحرب أظهرت أن طرق اختراق التنظيم لصفوف القوات الحكومية تنوعت بين الإغراء المادي أو التعاون للحفاظ على الحياة أو حتى من خلال التجنيد المبني علي الاعتقاد الأيديولوجي؛ بدأ الأمر مبكراً في 2013 من خلال الضابط ذائع الصيت الرائد هشام عشماوي، ثم بعملية الاختراق المشهورة في محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري السابق في أكتوبر/تشرين الأول 2013، والتي تورط فيها الضابط المنشق وليد بدر، ثم جاءت عملية "ميناء دمياط" التي نفذها الضابط أحمد عامر لتمثل فصلاً آخر من فصول هذا الاختراق، و ما زال الأمر مستمراً حتى اللحظة، ففي الأسبوع الماضي تم اغتيال ضابط برتبة عميد يدعى أحمد كمال، في وسط سيناء، كان يتنقل في سيارة مدنية.

ولمواجهة المعركة الاستخباراتية التي تكبد الجيش خسائر فادحة، لجأت القوات الحكومية المصرية إلى تكوين فرقة بيشمرجة من المدنيين المحليين (قوات الحشد الشعبي أو ما يسميه المحليون بـ103) ، وهي ظاهرة مشابهة لتجربة العراق، عندما أُسست فيه الصحوات لأول مرة بين عامي 2006 و2008 على يد الجنرال الأميركي ديڤيد باترسون، إذ رأت القوات الأميركية ضرورة في تجنيد جماعـة مـن متمـردي السـنة أغرتهم بالمال للانضمام لجانب القـوات الأميركية، ودربتهم وقامت بتسليحهم مقابل مساعدتها في اجتثاث عناصر القاعدة، وفعلاً استطاعت الصحوات أن تضع حداً للصعود الجهادي لتنظيم القاعدة في هذا الوقت في العراق.

وفي ظني ان تنظيم ولاية سيناء استشعر خطورة ظاهرة الصحوات أو البيشمرجة على تحركاته، فقتل الشهر الماضي ثلاثة عناصر تابعة للصحوات، واعتقل آخر؛ فيما يبدو أنها حملة مركزة تهدف لاجتثاث الصحوات؛ هذه الخطوة جاءت بعد قناعة التنظيم أن الصحوات قللت المجهول فيما يتعلق بمعرفة الجيش بدروب الصحراء و هوية عناصر الولاية ومؤيديها.

لذلك يمكن قراءة فكرة انكفاء التنظيم واكتفائه بتسديد ضربات صغيرة متتالية في شكل عمليات قنص وتفجير عبوات ناسفة عن بُعد، وابتعاده عن فكرة المواجهات المفتوحة والعمليات الكبيرة هي حالة مؤقتة مرتبطة إلى حد كبير بحرمان الجيش من أي مسار معلوماتي قد يساعده في قراءة تحركات التنظيم، وإحباط عملياته بشكل استباقي، وهو ما يُفسر عدم تكرار عمليات كبيرة للتنظيم كعملية (أحداث الكتيبة 101) التي وقعت في يناير/كانون الثاني (2015)، حيث ظن البعض أن هذا يرجع إلى تقليم أظافر "ولاية سيناء" بعد نجاح الجيش في اغتيال بعض قيادات الصف الأول في التنظيم (أتحفظ علي ذكر أسمائهم) أو بسبب تغيير في استراتيجية الجيش أدى إلى تضييق الخناق على المسلحين.

أما الحقيقة من وجهة نظري فإن التنظيم حرص على تغيير استراتيجيته حتى يتم القضاء على ظاهرة الصحوات لذلك نقل الميدان إلى مدينة العريش التي لم تظهر بها أي صحوات حتى الآن، واستخدم تكتيكات حرب المدن التي أوجعت القوات الحكومية كثيراً، حيث إنها تقاتل أشباحاً لا تعلم عنهم شيئا في ظل نقص شديد للمعلومات حول مقاتلي التنظيم في مدينة العريش.

الجميع في سيناء يعلم أن تنظيم ولاية سيناء قد استطاع خلال الشهرين الماضيين اختطاف 7 سيارات حكومية منها سيارة نقل مياه كبيرة الحجم!!

وبعيداً عن سؤال كيف استطاع تنظيم مسلح إخفاء كل هذا العدد من السيارات بعيداً عن أعين القوات الحكومية كل هذه المدة؟؟ فإنه من البديهي أن التنظيم سيستخدم هذه السيارات في عمليات مركبة متزامنة كما فعلها من قبل؛ لكن يبقي اختيار الوقت والمكان مرهوناً بتهيئة الساحة واحتكار سلاح المعلومة.

كما قلتها وأكررها كثيراً؛ إذا استطاع الجيش المصري أن يمتلك نصف المعلومات التي يملكها الموساد الإسرائيلي عن المسلحين والتي جمعها عبر شبكة عملائه أو باستخدام تقنيات الرصد بالأقمار الصناعية وطياراته دون طيار التي تنتهك السيادة المصرية ليل نهار، فإن الجيش المصري بلا شك سيلحق أضراراً كبيرة بالتنظيم؛ لأن الحرب في سيناء هي حرب معلومه بامتياز؛ من يمتلك فيها المعلومة سيمتلك عنصر المفاجأة أثناء الحرب؛ تلك الحرب العبثية التي لم ولن يخسر فيها إلا الوطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.