المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد سيف الدين Headshot

الحب من لا نظرة

تم النشر: تم التحديث:

منذ فترة اخترعتُ هذا المصطلح العجيب، غير أنني لم أجرؤ على التفوّه به أمام عاقل، هل يُعقل أن يكون هناك حب بدون رؤية المحبوب، حقًّا لا أظن ذلك أما عن اختراعي هذا المصطلح، فذلك كان بداعي تبرير تلك الحالة التي كنت عليها آن ذاك، ثم أقنعت نفسي بعدها أنه من غير المنطقي وغير المعقول أن يكون هناك حب من غير نظرة، سمِّه ما شئت ولكنه بالتأكيد ليس بحب، في هذه الأحيان سمعت بيت شعر من صديقي يقول:
لا تُخفِ ما فعلتْ بك الأشواقُ *** واشرح هواك فكلنا عشاقُ

لا أدري ما مدى وقع هذا البيت من قلبي، ولكن أدري جيداً تعلقي بهذا البيت، غير أني حفظته على غير العادة، وأكرهت ذاكرتي المريضة على ذلك ففعلت على مضض واستحياء.

حكايتي مع جبران خليل جبران بدأت بسماعي أحد أروع كتبه "النبي" بصوت الرائعة أماني عيسي، هذا الكتاب كان سبباً كافياً بالنسبة لي أن أبحث عن تاريخ من كتبه فإذا بي أُفتن به، تارة أقرأ مقالاته وتارة أقرأ مأثوراته، وتارة أخرى أقرأ تاريخه، وتارة أعيد سماع "النبي" وتارة أسمع "نصف حياة" إلى أن مللت منه وبدأت أنتقد بعض أفكاره الهدّامة، حتى ذات يوم كنت أشاهد بعض مقاطع الفيديو على "اليوتيوب" ثم تركت الجهاز وانشغلت بفعل شيء ما قريب من الجهاز، فإذا بي أسمع صوتاً ملائكيًّا قادماً من الجهاز يقول "أعطني الناي وغنِّ فالغنا سر الوجود.." كان ذلك صوت فيروز، لم أكن أعلم حينها من هي فيروز، بل كنت متحرزاً من سماع الأغاني بالأساس، ولكني تذكرت بيت شعر لنزار قباني:

"وصوت فيروز من الفردوس***** يأتينا إنا راجعون"

لا أخفي عليك ما مدى تعلقي بهذه الأغنية لحناً وأداءً وصوتاً وكلماتٍ، حتى أنني لم أجرؤ على إيقافها وقد دُهِشَ مَن حولي من سماعي للأغاني، بعد ذلك بحثت عن فيروز لأعرف من تكون، فكانت الدهشة عندما علمت أن أغنيتها سالفة الذكر "أعطني الناى" هي من كلمات جبران خليل جبران قد عاد جبران من جديد لا عجب في ذلك.

ثم انقضت تلك الليالي، وانصرفتُ إلى اهتمامات أخرى وكتّاب آخرين، حين سمعت عن مي زيادة، حقيقة لم أكن أعلم حينها من هي مي زيادة سوى أنها كانت أديبة في القرن الماضي، ولكن اسمها ظل متعلقاً في خلدي محاطًّا بهالة من الإعجاب لا أعرف بالتحديد سببها.. ذات يوم رشّح لي صديقي كتاب "أوراق الورد" للرافعي ازداد تعلقي بهذا الكتاب عندما علمتُ أنه عبارة عن الرسائل الغرامية التي أرسها مصطفى صادق الرافعي لميّ زيادة جمعها في كتاب سمّاه رسائلها ورسائله "أوراق الورد".

وأرسل إليها أول رسالة ووضعها في زجاجة عطر وقال فيها "يا زجاجة العطر اذهبي إليها وتعطري بمس يديها وكوني رسالة قلبي لديها.." إلى آخر الرسالة.

حقًّا هل كان الرافعي مغرماً بمي زيادة، وإذا أُغرم الأديب بأديبة ماذا سيكون نتاج ذلك؟ في هذه الحالة كان النتاج كتابًا، وفي حالةٍ أخرى مثل الراحلة رضوي عاشور والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، كان النتاج شاعراً شابًّا فليسطينيًّا مصريًّا يقول في فلسطين "أنا ابن مريد ورضوى"، ويأتي إلى مصر يقول "أنا ابن رضوى ومريد" ويقول "القدس من في القدس لا أرى في القدس إلا أنت" إنه الرائع تميم البرغوثي.

مرت الأيام فإذا بي بالصدفة أقرأ في كتاب الصف الثالث الثانوي رثاء العقاد لمي زيادة عنوانه "آه من هذا التراب" وجاء أوله "أين في المحفل مي يا صحاب؟" إذاً من هي مي زيادة التي جذب مجرد اسمها انتباهي وشوقي ويتغزل الرافعي في حبها ويرثيها العقاد، حان الآن أن أبحث عنك يا مي، وبالفعل حدث وكانت المعلومة الصادمة أن مي زيادة كانت متيمة بجبران خليل جبران وعاشقة له، بدأت الأحداث حينما قرأت له "الأجنحة المتكسرة" وظلت رسائل الحب بينهما 20 سنة إلى أن مات جبران وأعلنت مي الحداد، وأنها أرملة جبران، ودخلت في حالة نفسية سيئة وأساء أهلها معاملتها وأدخلوها إلى مصحة نفسية، كل ذلك وهي لم تره ولو لمرة واحدة.

وفي رسالة جبران لمي "أحب صغيرتي غير أنني بعقلي لا أدري لماذا أحبها ولا أريد أن أدري بعقلي يكفي أنني أحبها بروحي وقلبي".

حسناً يمكنك الآن أن تقرأ عنوان المقال ثانيةً، هل هذا حقًّا هو الحب من أول نظرة؟ نعم، إنه موجود وهذه فقط إحدى حالاته.. إنه الحبُّ العذري الذي يتنزه فيه المحبون عن أي شيء سوى الوفاق الفكري والعاطفي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.