المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد سعد Headshot

الكلام الذي لا يقال: عن تسريب مكتب السيسي.. ومرسي الذي لا يعود

تم النشر: تم التحديث:

"الموضوع ده لو اتطعن فيه مرسي بكرة هيبقى في الشارع .. هيخرج"، ما زلت أتذكر صدمتي وأنا أسمع صوت أول تسريب من داخل مكتب السيسي، واللواء ممدوح شاهين يصرخ بهذه الكلمات، كنا يومها قد مر علينا شهور قليلة في قناة مكملين، عقب انطلاقنا بها، وقد "رزقنا الله" بهذا التسريب حصرياً لبرنامج مكملين النهارده مع أسامة جاويش، الذي كنت أقوم بإعداده.

صدمتي كانت لسبب بسيط، هو أنني "مثل الكل" كنا نتأرجح في العام الأول للانقلاب العسكري بين حقيقة "إمكانية عودة مرسي"، نتندر فيما بيننا أحياناً على "سياسيي الشرعية" وهم يهتفون على الشاشات بيقين "مرسي راجع"، ونشكك في احتمالية ذلك، ونعود لنتذكر رابعة، وما حدث لنا فيها دعماً لحق ولرئيس انتخبناه، فيغلبنا الغيظ، ونتمنى عودته فقط حتى يُشفى غليلنا.

مكالمة ممدوح شاهين الهاتفية إلى قائد القوات البحرية، الذي كان يحتجز مرسي، قلبت الموازين في رأسي، فالرجل يتحدث بعصبية، بل وبرعب عن إمكانية حقيقية لعودة مرسي، خلال إعداد الحلقة والتسريب فهمت الأمر كما فهمه الجميع، مرسي تم اختطافه من الجيش إلى أحد "الهناجر" العسكرية، ولم تقم الداخلية باعتقاله في أحد سجونها، وهو ما يمنح قضية مرسي بعداً مختلفاً تماماً، ويدحض بالكامل رواية السيسي عن كونها ثورة شعبية، بل ويحولها إلى جريمة اختطاف، لم أفكر كثيراً في حيثيات القضية الجديدة، وكيف يمكن الاستفادة منها، فلست قانونياً، فدوري الذي كنت قد آليته على نفسي هو المحاربة ضد هذا الانقلاب في المجال الذي أحترفه وهو الإعلام؛ لذلك لم ننم أنا وفريق الإعداد ومقدم البرنامج، حتى كنا قد حصرنا جوانب التسريب كاملة بالأسماء والأوصاف والحيثيات الجاهزة، زادت علينا في اليوم التالي للتسريب شبكة رصد الإخبارية بأن توصلت لمكان "الهنجر" الذي تم تغيير ملكيته من القوات البحرية إلى الشرطة، بل وتوصلت باستخدام موقع الخرائط google maps إلى صورة لموقع الهنجر قبل وبعد التعديل بمنتهى الدقة الموصوفة في التسريب.

لاحقاً تم تحليل التسريب بتكليف من مكتب المحاماة البريطاني "آي تي إن"؛ للتعرف على هوية أصوات المتحاورين في التسجيلات، ولمعرفة ما إذا كان التسجيل نفسه حقيقياً أم في معمل "جيه بي فرينش أسوشييتس"، وهو أكبر معمل صوتي شرعي في بريطانيا، وكانت النتيجة هي شهادة من المعمل الدولي بصحة التسريب، وأن الأصوات الموجودة هي بالفعل أصوات الأشخاص الذين ذكرناهم، تم تناول التقرير الذي اعتبرناه نصراً وقتها في الإعلام العالمي، فضلا عن برنامجنا على قناة مكملين، ثم لم يحدث شيء على الإطلاق!

توالت التسريبات من داخل مكتب السيسي، فعباس كامل، مدير مكتبه يملي على الإعلاميين تارة ما يقولونه، والسيسي يحتقر الخليج، ويسب دوله وحكامه تارة أخرى، وما زلت أذكر كيف احتفظنا بنسخة من هذا السب الذي اضطررنا للتشويش عليه في النسخة التي عرضت على الشاشة، احتفظنا به حتى يكون دليلا حينما يطلب، ثم لم يطلبه أحد على الإطلاق!

آخر تسريب عملت عليه مع أسامة جاويش قبل أن نترك قناة مكملين كان الأكثر دسامة والأغزر معلوماتية، مخطط كامل تموله الإمارات وتديره مصر لتسليح الدولة العميقة في ليبيا لضرب ثورتها، يقوم فيها الجيش المصري بدور المرتزقة، فضيحة إقليمية بكل المقاييس، بذلنا في التوصل لخيوطها جهداً شديداً حتى نفتح الباب لمن يريد أن يحقق، ثم لم يحقق أحد على الإطلاق!

أعود للوراء قليلاً، لعام حكم الرئيس محمد مرسي، وقد كنت أعمل في أحد أهم البرامج المعارضة لـ"حكم الإخوان" كما تم ترويجه، أتذكر قضايا أصغر بكثير جداً من هذا الكم المذهل من التسريبات، قضايا مثل "حادث قطار الصعيد" أو "انقلاب حافلة تقل اطفال مدارس"، وأتذكر تحديداً شيئاً واحداً، هو أنه حالما كنا ننتهي من تغطيتنا الإعلامية، يتم تلقف المادة الإعلامية المعلوماتية الخام التي انتهينا منها ليتم تحويلها إلى مادة سياسية قابلة للتشكيل تتبعها "دائماً" مطالب واضحة، يقف خلفها اللوبي السياسي "المتنوع جداً" الذي شكله العسكر في صمت، وكانت المطالب دائماً تدريجية، بإقالة المتسبب ثم إقالة المحافظ ثم الوزير فرئيس الوزراء فمرسي شخصياً.

في عرضنا للتسريبات تعمدت أن أتدرج في التناول الإعلامي تمهيداً للسياسيين حتى يصنعوا مطالب واضحة، بدءاً من المطلب الضيق، وهو "خروج مرسي الرئيس المخطوف من السجن"، وتصاعدياً في محاسبة أركان نظام السيسي ومحركيه، وأخيراً الداعمين له دولياً.

لكني اليوم يمكنني أن أقول بكل تأكيد إن:
- عملنا الإعلامي الذي بذلنا فيه جهداً كان احترافياً بشاهدة أساتذتي في الإعلام في ملف التسريبات، تسريب مكتب السيسي الذي احتشد وراءه المتظاهرون في الشوارع في أوج قوة التظاهر في الشارع إلى درجة أن الدعاية الأساسية للحلقة كانت عن طريق المسيرات التي تطوف بالشوارع تنادي بـ"متابعة أسامة جاويش الليلة في تسريب جديد"، هذا العمل لم يكن له أي جدوى، وذهب هباء، ولم يفلح في خلق مطلب واحد يتفق عليه السياسيون، فضلاً عن تحقيقه.

- لم نكن سياسيين، ولم يكن مطلوباً منا أن نمارس السياسة، كنا مشروعاً إعلامياً شاباً قدمناه للسياسيين على طبق من ذهب، متوافقاً مع كل ما كانوا يدعون إليه، وعلى رأسه مطلب "عودة مرسي".

- لا استسيغ بعد هذا العمل أن أسمع أحدهم يطالب بـ"عودة مرسي"، بل ويقف أمام أي مشروع سياسي لا يندرج تحت هذا المطلب الذي آمنت به، وعملت له كل جهدي في يوم من الأيام دون أن أجد من هذا الداعي للعودة أداء سياسياً يشفع له مطلبه.

- الرئيس مرسي الذي انتخبته، وتطوعت في حملته الانتخابية، واعتصمت في رابعة من أجل عودته، وهاجرت من مصر وتركت عملي في القنوات التي أسقطته، وسهرت وسط تسجيلات السيسي ورجاله التي أمقت أصواتهم من أجل أن يعود.

أدركت أن "عودته" لا تتعدى كونها مجرد أحلام أو شعارات ينادي بها الساسة، ولم أجد حتى اليوم "خطة سياسية حقيقية واضحة" ليعود، فإن كنتم تبحثون عن معجزة، فهاكم المعجزة قد حدثت في تسريب مكتب السيسي وفي غيره الكثير، أما إن كنتم تبحثون عن حجة للبقاء في الصدارة، فاعلموا أنكم تتلاعبون بأعمار وأحلام شباب غض يعرض نفسه للموت كل يوم، فحذارِ أن يكفر بكم غداً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.