المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد رزق Headshot

حزب النور وفلسفة الطفل الضعيف

تم النشر: تم التحديث:

ذات مرة وأنا أقف في شرفة منزلي وإذ بي أرى طفلاً ضعيفاً يتعارك بشراسة مع صديق له قوي البنية شديد البأس، فيضربه ويكيل له اللكمات، والآخر لا يرد عليه بأي شيء سوى قول: "ياعم أنا مش عاوز أضربك"، فيزيد الأول من سبابه ولكماته، تعجبت جداً عندما نظرت الى ذلك الطفل الضعيف يتعارك مع طفل آخر - ليس بصديقه - متوسط البنية والحيلة ولكنه كان فحّاشاً في كلامه وسبابه حتى جعله يبكي في آخر العراك، ثم استسمحه أن ينهي هذا العراك على أن يلعب معه ويكونا أصدقاء.

نظرت بتعجب الى حال هذا الطفل الضعيف، كيف له أن يضرب ويسبّ صاحبه القوي ويغضّ الطرف عن الآخر الذي يضربه ضرباً مبرحاً، عندما ترويت في الأمر قليلاً - وأنا أنظر إليهم وهم يلعبون - توصلت الى فلسفة الطفل الضعيف في التعامل مع الأطفال من حوله، توصلت الى أنه يعلم جيداً أن صديقه ذا البنية القوية يخاف على فراقه وبالتالي فهو يعلم أنه لن يمد يده عليه، ولذلك تطاول عليه ليثبت للأطفال من حوله أنه قادر على هزيمة أقوى أصدقائه، ولكنه حين اصطدم بالطفل الآخر - الغريب عنه - الذي علم فيما بعد أنه لا يسكت عن حقه أبداً وأنه لن يتوانى في كيل الضربات اليه سكن بل بكى واستسمحه أن ينهي العراك ويكونا أصدقاء أوفياء.

عندما انتهى كل هذا ودخلت من شرفة المنزل لا أعلم لماذا تذكرت "حزب النور" وقتها، لأول وهلة بدأت أربط العلاقة بين فلسفة حزب النور في العداء والتعاون والمعارك السياسية وفلسفة الطفل الضعيف في العراك بشراسة من جهة والخنوع من جهة أخرى.

فحزب النور في سنة حكم "الإخوان المسلمين" بزعامة محمد مرسي - المنقلب عليه في يوليو 2013 من قبل المجلس العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي - كان يكيل الضربات تلو الضربات والشجب والإدانة لكثير من أفعال الإخوان والسلطة الحاكمة رغم الرابط السياسي العقائدي بينهما والمصالح المشتركة التي تجمعهما من تطبيق للشريعة الإسلامية وأسلمة مؤسسات الدولة حتى تكون الدولة كلها تعمل وفق الشريعة الإسلامية بشكل حركي.

بدأت أربط هذه الفلسفة مع فلسفة الطفل الضعيف في مقابل صديقه القوي، فحزب النور يعلم تمام العلم أن سلطة الإخوان المسلمين مهما علت وكبرت ووصلت الى مراتب عُليا في الدولة متمثلة في رئيسها لن تفعل أي شيء يغضب الحزب أو يعكر صفو مزاجه؛ لأنها تعلم جيداً سقف التصعيد لدى الإخوان المسلمين مع القوى الليبرالية، فضلاً عن القوى الإسلامية التي تُكنّ لها الولاء التام رغم إحراجها مرات عديدة.

كانت هذه الفلسفة الدافع الرئيسي وراء تجرّأ حزب النور على سلطة الإخوان المسلمين والانتقاد بكل أريحية وعدم حسبان للعواقب، إذ إن العواقب أصلاً لم تكن موجودة بفضل الحرية التي كانت تتمتع بها معظم القوى السياسية عموماً والتيارات الإسلامية خصوصاً في هذه المرحلة.

بعد انقلاب 3 يوليو وإعلان عبدالفتاح السيسي انتهاء حكم الإخوان المسلمين وبعد فضّ اعتصام رابعة العدوية والنهضة وما تلاهما علم حزب النور شراسة النظام الحاكم بعد الانقلاب وتيقن يقين الطفل الذي رأى في الطفل الآخر شراسة وفحشاً في القول والفعل، فبدأ بتغيير فلسفة التعامل من القوة الى اللين في القول أحياناً ثم التعاون الكامل بتغاضي الطرف عن أفعال النظام ضد الإسلاميين في مصر.

العجيب في الأمر هو صمت الحزب بعد شيطنة الإعلام والأجهزة الحاكمة في الدولة للإسلاميين ككل وهو منهم، ففي الانتخابات البرلمانية الأخيرة اعترف حزب النور بأن هناك شيطنة وانتهاكات من قبل الكثيرين المحسوبين على النظام ما جعله يفشل في الجولة الأولى في الانتخابات البرلمانية وحصوله على 10 مقاعد فقط ورغم ذلك أكمل الانتخابات!

ربما ظن حزب النور بعد دعمه الكامل وغير المشروط للنظام في مصر أنه سيحصل على الجائزة الكبرى نتاج ذلك، وهي حصد مقاعد عدة في البرلمان المصري ووجوده في مربع نفوذ وسلطة يتحكم من خلالها في فرض رؤيته وسياسته ولكن حدث عكس ذلك، فقد تخلى النظام العسكري في مصر عنه فضلًا عن تدوير الآلة الإعلامية ضده في انتخابات البرلمان والتي أتت بالسلب عليه.

لازال الى الآن حزب النور يؤيد النظام الحاكم في مصر رغم كل ما حدث، ولا زلت أيضاً أرى الطفل الضعيف يصادق الطفل الآخر الذي سبّه وضربه، لا زالت فلسفة التعامل بالعصا والحديد تجدي مع البعض، وفلسفة التراحم والتعاون لا تجدي معهم، ولكن السؤال هنا: هل يبقى لحزب النور حدٌ فاصل يتعامل به مع النظام في مصر، أم أنه مهما فعل النظام من شيطنة وعداء فهو معه كما الطفل الذي رأيته؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.