المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد رشاد Headshot

عالم التفاح الموازي

تم النشر: تم التحديث:

في ذلك العالم تظهر مجموعة من العادات والأعراف التي تقود المجتمع من البذور حتى الثمار، تستلهم قوتها من عرف أساسي هو أبو الأعراف التفاحية الذي يُعلي من شأن التفاحة الحمراء ويعدّها أجود أنواع التفاح، حتى إنه في بعض المجتمعات البشرية الموازية يطلقون عليه "التفاح الأمريكاني" استنادًا منهم إلى العرف المترسخ في أذهانهم بأن المجتمع الأمريكي هو أرقى مجتمعات عالم البشر أو كذلك هيىء لي ولهم.

كنت أود لو أنني كبشري أستطيع التفاهم مع عالم التفاح حتى وإن كان بلغة الإشارة، إن تحققت لي تلك الأمنية ولو لمرة واحدة كنت سأستغلها بتوجيه سؤالين فقط لا غير، الأول للتفاحة الحمراء التي ما زالت في طور النضوج ولم تصل إليه بعد أو ما يمكن أن يطلق عليه "التفاحة النّيئة"، هل تشعرين بالفخر أنكِ تنحدرين من تلك السلالة النقية التي يطلق عليها التفاح الأحمر؟ ثم أتوجه بالسؤال الآخر للتفاح الأحمر الناضج، إلى أي مدى تغرسون في نفوس صغاركم قناعتكم برفعة سلالتكم ونـقائها؟

على الرغم من أن زخم الأسئلة التى يمكن أن تطرأ على ذهني في ذلك الحوار التفاحي كثيرة إلا أنني سأكتفي بهذين الاثنين فقط، حيث إنني تعلمت من معاشرة البشر أن هناك أسئلة وجودية كثيرة لا طائل من الخوض فيها، فمثلًا لن أسألهم: هل أنتم حقًّا مقتنعون أنكم أرقى سلالة من سلالات التفاح؟ ذلك لأنني أعلم علم اليقين أنه يكفي لأي تفاحة حمراء أن يتجمع حولها جماعة من التفاح الأخضر أو الأصفر -عن وعي أو بدون- ليرددوا على أسماعها كلمات مثل "ما أعظمك، ما ألذك، ما أروعك، ما أبهاك، إنه لفخر للفروع أن تحمل ثمار كثمارك البراقة" حتى يترسخ في قرارة نفسها أنها الأعظم بحق.

كنتيجة حتمية لذلك العرف الذي تغلغل في عالم التفاح بدا التفاح الأخضر والأصفر أقل شأنًا وحظًّا من التفاح الأحمر وبالتبعية أقل سعرًا، لكن هل يعني ذلك بالضرورة أن التفاح الأخضر أقل فائدة من قرينه الأحمر، لا بل العكس هو الصحيح فلقد أثبتت الدراسات التي دائمًا ما يقوم بها عالم البشر من أجل الحفاظ على صحتهم أن التفاح الأخضر أكثر فائدة من الأحمر، إذن فالتفاح الأحمر يكتسب تلك المكانة الرفيعة فقط من البريق الذي يلمع على أطرافه الخارجية والطعم الذي يملأ عصارته.

عجيب أنت أيها العالم التفاحي تُعلي من شأن المظهر على حساب الجوهر! فلتأتِ للعالم البشري الموازي لك لتتعلم كيف أن الجوهر هو الذي يرفع البشر إلى أعلى عليين، لتتعلم أنه لا صوت يعلو فوق صوت العلم، ولا قيمة تعلو فوق قيمة العدل، فلتبعثوا برسول من عندكم إلى بلادنا ولتـثـقوا بي كمرشد ودليل له، حينما يخطو خطواته الأولى بين ظهرانينا سأدله حتما على تلك الأماكن التي يمكن أن تتعلموا منها قيمة الجوهر في نفوس البشر فليذهب رسولكم مثلاً إلى المؤسسات الصحفية الكبرى وليتعرف على رؤسائها، فليختبرهم ما شاء من الاختبارات وسيجدهم عالمين ببواطن الأمور وسيرشدونه حقًّا إلى الحقيقة المطلقة التي تسطرها أياديهم على صفحات جرائدهم، وبعدها يمكنه أن يذهب إلى أقسام الشرطة وليبحث هناك عن الاحترام، ومنها إلى مقرات الوزارات فليبحث هناك عن الرؤية والمنهجية، ومنها إلى النقابات المهنية فليبحث هناك عن التفاني وإنكار الذات، ثم إلى رؤساء الأحياء فليبحث هناك عن الإنجاز، ثم إلى قاعات المحاكم وليسأل هناك عن العدل، ولكن أثناء جولته تلك لا ينبغي عليه أن يخبرهم شيئًا عن تلك الثغرة التي تحيط بمجتمعكم التفاحي من جراء إعلاء شأن المظهر فوق الجوهر فإن ذلك سيثير غضبهم ثم يعلنوا استياءهم واستنكارهم ويـُـتبعون ذلك بمحاضرات أخلاقية بصوت جهور تعودوا أن يلقوا به خطبهم على مسامعنا بين الحين والآخر.
أمر آخر في شأن العالم التفاحي يراودني ويلح علىّ، هل يرى التفاح نفسه؟ هل علمه بأنه أحمر أو أخضر نابع من رؤيته لنفسه وثقته في نوعه أم أنه فقط يصدق ما يردده الآخرون في شأنه؟، فمثلاً إذا اجتمع الرأي في جماعة تفاحية ما بأن تلك التفاحة الحمراء هي على الحقيقة خضراء وليست كما تظن هي أنها حمراء هل ستصدق تلك التفاحة أنها فعلاً خضراء وتتعامل مع نفسها والآخرين من منظور وضاعة الجنس الأخضر التفاحي أم أنها ستقاتل من أجل إثبات حمرتها؟

وعلى صعيد آخر إذا انقسم الرأي في جماعة تفاحية إلى قسمين أحدهم يظن بأن تفاحة ما هي على الحقيقة حمراء والآخر يظن أنها على الحقيقة خضراء إلى أي كفة ستميل تلك التفاحة وإلى أي مدى سيلامس ذلك الميل الحقيقة؟ وهل لذلك الميل أي علاقة بطبيعة كل جماعة؟ وإن كان له علاقة فترى أي من تلك الجماعات سيكون لها التأثير الأقوى هل جماعة التفاح الأحمر أو الأخضر أو الأصفر أو تلك الجماعة المختلطة؟ وهل ثمة جماعة مختلطة؟ وإن كانت هناك جماعات تفاحية مختلطة فإلى أي مدى يصل ترابطها؟ وإلى أي مدى يسهل تفككها؟ وهل ترابطها وتفككها نابع من داخلها ويقين أفرادها أم أنه يخضع لتأثيرات الجماعات التفاحية الأخرى؟ وإن كان لهم تأثير فيا تري أي جماعة سيصبح لها التأثير الأقوى؟

لعل التفاح الأحمر بمكره المعهود استطاع أن يقنع الشجرة بأنه أصلح لها من التفاح الأخضر ذلك لأنه يتوج بهائها وحسنها باختلاط لونه الأحمر البراق بلونها الأخضر النضر وبذلك تزداد جمالاً على جمالها في نظر الناظرين، أما التفاح الأخضر فلا يكاد يُرى بين كل تلك الفروع التي تشاركه نفس اللون فلا حيلة له في إظهار حسن الشجرة وجمالها أو حتى حسنه وبهائه، أو لعله علم بمنزلته الضئيلة فاختار أن يتوارى بين فروع الشجر الخضراء هربًا من شماتة الشامتين.

تُرى هل يستحق التفاح الأحمر هذه المكانة الرفيعة أم أن الشجرة وفروعها وأوراقها وثمرها مخدوعون كغيرهم من المجتمعات والعوالم الموازية؟

لعل يوم يأتي عليّ حقًّا وأستطيع فك شفرات ذلك العالم، أو لعلي أقابل نيوتن في إحدى العوالم الموازية ليطلعني على خبايا العالم التفاحي وأسراره؛ فلعل أنسه بذلك العالم ساعده على فك طلاسمه، أو لعلي فقدت عقلي مبكرًا أو تراني معلقًا على فروع تلك الشجرة بحبال ذائبة في انتظار السقوط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع