المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد رشاد Headshot

الأمل خيانة

تم النشر: تم التحديث:

يسيطر عليً منذ فترة حالة من فقدان الأمل في كل ما يحيط بي ولا أستطيع أن أكتمها في نفسي فأجدني أصرِّح إلي أصدقائي في العمل خلال حديثنا اليومي الذي لا ينقطع تقريباً أن "الأمل خيانة"، حتى خـُّيل إليّ أنها أصبحت التحية التي ألقيها عليهم، بعضهم يؤيدني ويتسق كلامي مع ما يجيش في صدره من غضب وألم، ومع ما يراه من إحباطات وإخفاقات يومية، والبعض الآخر يرفضه رفضا تاما وباتا ولا يرغب حتى في سماعه ولو على سبيل المزاح وفي الغالب أدخل مع الصنف الثاني في نـقاش يمتد مرات ومرات بعضه يسيطر عليه العقل والمنطق والبعض الآخر يسيطر عليه الحزن والكآبة واليأس - على الأقل من ناحيتي أنا فقط-.

في قرارة نفسي لا أستطيع أن أتمادى في معارضة أصدقائي المختلفين معي لأني أتفهم جيدا ما يدور بخلدهم وما يخشون منه، بل وأشفق عليهم من تلك الكآبة التي تنتقل إليهم بسببي، ولكني في نفس الوقت لا أستطيع التعايش مع فكرة الأمل - على الأقل في تلك الفترة من حياتي-.

لا أُخفي عليكم أن تلك الحالة من فقدان الأمل بدأت معي تدريجياً منذ فترة ليست بالقصيرة قد تمتد إلى أعوام كان يسبقها حالات اكتئاب شديدة ورغبة في اعتزال البشر، لم أكن أعلم حينها سبب تلك الحالة ولكني بعد فترة تعرفت على الأسباب وعلمت أنها أعراض فقدان الأمل، أتذكر أيضاً أن أحد الأسباب الرئيسية التي ساعدتني على تشخيص حالتي هي غضبي ونفوري الشديدين من جملة كانت ومازالت تتردد دوماً أمامي "اليأس خيانة".

بدأت أفكاري عن اليأس والأمل تتشكل بعد صراع فكري أرهقني واستنزف مني الكثير، كانت بدايته أن اليأس والأمل شعورين في المقام الأول وكجميع المشاعر التي تجتاح نفوسنا هي نتيجة لمقدمات وأسباب أحياناً نستطيع التحكم فيها وأحياناً أخرى تكون خارجة عن سيطرتنا.

توالت على ذهني بعد ذلك فكرة البحث في المقدمات التي مرت على خلال الفترة السابقة من حياتي حتى أقف على حقيقة تلك المشاعر، كنت أعلم في بداية بحثي أنه سيؤدي بي حتماً إلى نتيجتين لا ثالث لهما إما ترسيخها أو التخلص منها، وكنت أعلم أيضاً أن النتيجة التي سأصل إليها سترافقني لفترة طويلة وقد لا أستطيع التخلص منها بسهولة، وعلى الرغم من ذلك أقدمت مدفوعاً بغضبي من هؤلاء الذين يرددون على مسامعي أن اليأس خيانة، وكان حدسي حينها يخبرني أن العكس هو الصحيح.

بدأت بحثي عن تلك المقدمات بافتراض غاية في البساطة "أنني كبشري تسيطر علىً رغبة ملحة في أن أحيا حياة كريمة، حياة آدمية، حياة تمكنني من معرفة ذاتي وقدراتي، حياة تمكنني من أداء دور يشعرني بقيمتي وأهميتي بين سائر البشر الذين أعيش بينهم، حياة تجعل نفسي وروحي ينبضان بالحياة قبل أن ينبض بها قلبي، حياة تجعلني معتزاً بوجودي، ممتـناً للمجتمع الذي أحيا فيه، ممتـناً لهؤلاء البشر الذين يؤثرون في حياتي وأفكاري وقناعاتي، ممتناً لكل شىء من حولي يساعد على إثراء تلك الروح الإنسانية التي تقطن بداخلي، وتزيد من سعادتي ورغبتي في الحياة"

إن وجود تلك الأمور أو على الأقل وجود مؤشرات من شأنها أن تبشر بإمكانية حدوثها، سيؤدي ببساطة إلى إحياء الأمل بداخلي، وفقدانها أو وجود مؤشرات تنبىء باستحالة حدوثها سيؤدي بنفس تلك البساطة إلي تنامي اليأس في حياتي، إنها مقدمات الأمل التي بها يحيا وبدونها يستشري اليأس ويسكننا.

حينها نظرت حولي بحثاً عن تلك المقدمات وعن أسباب وجودها آملاً في العثور عليهم، كنت أبحث وفي قرارة نفسي أعلم النتيجة مسبقاً، فكل شىء من حولي يعلن عن نفسه يعلن عن مدى قبحه ودمامته، كل شىء من حولي يسير في العلن ضد التيار الذي من شأنه أن يشبع أبسط احتياجاتي الإنسانية سواء كانت مادية أم معنوية، إن الظلم يتوحش فينا والعدل يتوه عن مساره، والإهمال يستشري في كل شىء حولنا حتى طال نفوسنا، مجتمع بلا حكمة بلا عقل بلا فكر بلا إبداع بلا تخطيط، بلا قدرة حقيقية على فعل شىء ذو قيمة، الفوضى تعم أركان البلاد والعباد، الألم والعذاب معالم تُظلم ذلك الضياء الذي كنا يوماً نتعلق بوجوده، الإدعاء أصبح أسلوب الحياة الأوحد، فلم نعرف غيره سبيلا إلى تعريف أنفسنا للآخرين، حتى فقدنا الثقة في أنفسنا وفي غيرنا من البشر، المصداقية فقدناها في كل شىء، الكلمة لم نعد نصدّق معناها ولا تستطيع أن تخترق الوجود الافتراضي لها داخلنا فلا أتذكر مثلا أخر مرة صدًقت فيها أحد تكلم أمامي عن الأمانة والصدق والوفاء والحب والسلام حتى أنها لم تستطع يوماً أن تتوغل إلى شىء أبعد من أذني، الوهم هو سيد الموقف في حياتنا، والسراب يؤكد زعامته على تلك البقعة من الأرض، الذل والعبودية والاستبداد بـإسم كل شىء، العبوس والكدر الذي يظهر على ملامحنا، السأم والضيق الذي يجتاح نفوسنا، الاستغلال الذي نتلقفه فيما بيننا ونتبادل الأدوار عليه فمستغِل اليوم مستغَل الغد، الدماء التي تسيل من حولنا تقابلها بلادة قد اجتاحت أرواحنا، الإقتصاد ينهار والمجتمع يزداد فجوة بين أفراده، والفقر يجتاح والحاجة تزداد والفساد يعم ويستشري في جسد المجتمع، الجهل والغش والخداع يوَاجَهون بعجزٍ مريرٍ تتصاعد وتيرته على الحياة من حولنا لا سيما نفوسنا، الفشل والضياع يجتاحان المنظومة من أعلى الرأس إلى أخمص القدم، الفرحة تُسرق من بين أيادينا في وضح النهار، وكل المؤشرات تدل على أن الحالة تزداد سوءاً وقبحاً وسفهاً وفشلاً ومعاناةً.

كيف لنا بعد ذلك أن نتكلم عن الأمل، فلا أمل في أن تصبح تلك المقدمات سببا في يوم من الأيام في أن نحيا حياة كريمة أو أن يحيا الإنسان بداخلنا بدلاً من ذلك المسخ الذي بات مستقراً بين ضلوعنا، ولذلك أيأس منها كلها بل وأكفر بمدى قدرتها على إرساء دعائم آدمية من شأنها أن ترفع وتعلي من قدرنا، هنا يصبح الأمل فيها خيانة، خيانة للمنطق، خيانة للعقل، خيانة للحكمة، خيانة للوطن، خيانة للأمل الحقيقي.

هكذا بررت لأصدقائي سبب إحساسي باليأس وإيماني بأن الأمل خيانة، لكن سرعان ما وجدتهم يردون عليً بحجة مفادها ألا سبيل إلى الحياة بدون أمل فإذا طلبت منا أن نفقد الأمل فكأنك بذلك تحكم علينا بالموت وإن لم يكن موتاً على وجه الحقيقة فهو موت نفوسنا ومشاعرنا ورغباتنا، فوجدتني أرد عليهم بأن الموت يأساً خير من العيش بأمل زائف، لأن تكرار الآمال الزائفة من شأنه أن يصل بك إلى يأس أشد ضراوة وبؤساً من ذلك اليأس الذي يتكون بداخلك بدافع من عقلك وقناعتك، تماما كالطالب الذي يُخبره أحد ما بأنه نجح في إختبارات ذلك العام و تخرج من الجامعة فيبني على ذلك آمال مستقبلية، ثم بعد فترة يفاجأ بأنه قد رسب وأن من أخبره في البداية قد كذب عليه وأن كل تلك الآمال التى بناها في خياله قد سقطت، حينها سيتملك منه يأس وحزن أشد ضرواة مما لو كنت أخبرته من البداية بحقيقة رسوبه، لذا فإن بنائك لذلك الأمل الزائف مرات ومرات ثم اكتشافك بعد ذلك أن كل أمل تبنيه هو أمل زائف سيصل بك حينها إلى يأس قاتل.

ما أن انتهيت من سرد حجتي عن الأمل الزائف، حتى وجدتهم يحتجون مرة أخرى بأن اليأس قنوط من رحمة الله، فكيف لنا أن نيأس في حياة كريمة ونيأس من النصر على ذلك القبح والله معنا ونحن متوكلون عليه وفي إنتظار نصره ومؤاذرته، كنت حينها أخشى من تلك الحجة ولا أنكر أنها تواترت على ذهني أثناء التفكير وعموماً أنا أخشى من الخوض في كل ما يتعلق بالدين، ولكن على الرغم من ذلك، وجدتني أرد عليهم من أدراكم أن الله سيؤاذرنا؟ إن القصص القرآنية تنقسم إلى حالتين حالة النجاة وحالة العذاب والهلاك، فالنجاة كانت لمن يستحقها والعذاب أيضاً لمن يستحقه، فماذا فعلت أنا أو ماذا فعلتم أنتم أو ماذا فعل المجتمع من أكبر شيخ إلى أصغر صبي كي يستحق النجاة والرحمة من عند الله، لماذا لا تكون السنن الإلهية التي سُنـَّت في الأرض تؤدي حتما إلى عذابنا وهلاكنا كما أُهلك أقوام قبلنا مثل قوم عاد وثمود، حتى وإن لم يكن العقاب والعذاب بنفس القدر والقوة؟؟! بل وإن كان الله مُـقدِّر لهذه الأمة حياة كريمة فمن أدراكم أن تلك الأسباب ستتحقق في جيلنا أو حتى الأجيال التي تليها أو تليها؟ فما الذي يجعلنا نثق تلك الثـقة أننا لن نُستبدل حتى يأتي من يستحق أن يحيا كما تنبغي أن تكون الحياة ؟؟

حتى وإن كانت الحياة الكريمة من نصيب أجيالنا وأن الله سيعيننا حتماً عليها، فلا تعارض بين اليأس في البشر وفي الأسباب والمقدمات البائسة التي هي من صنع أيدينا، والأمل في الله، فيأسي من البشر ومقدماتهم وأسبابهم، لا يؤدي بي إلى القنوط من روح الله ورحمته، لأن المنطق والعقل يؤيداناإجتماع الأمران في نفسٍ واحدة.

هنا انتهت المناقشات ومازال اليأس ينهش في عظامي والأمل يتقهقر ويبتعد أكثر فأكثر فأكثر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.