المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد رشاد Headshot

رسالة إلى الواثقين

تم النشر: تم التحديث:

أيها الواثقون من أهل بلدي، أنتم أغرب خلق الله تعيشون في أغرب بلاد الله، أتساءل دائما عن أحوالكم هل أنتم عباقرة أم جهلاء؟ لا أظن أن هناك صفة ثالثة من شأنها أن تتوسط هاتين الصفتين، فثقتكم المبالغ فيها هي على أحد طرفي المعادلة إما جهل أو عبقرية.

أنتم أكثر شعوب العالم ثقة بطباعكم وشخصياتكم على الرغم من أنكم أقلهم إيماناً بالتربية النفسية حتى أنكم تعدون المريض النفسي "مجنون"، من أين جئتم بتلك الثقة؟!

أنتم أكثر شعوب العالم ثقة بوطنكم ووطنيتكم وبلادكم على الرغم من أنكم أكثرهم حياة وسط الفساد والاستبداد والجهل والفقر والمرض، من أين جئتم بتلك الثقة؟!

أنتم أكثر شعوب العالم ثقة بآرائكم وأحكامكم على الرغم من أنكم أكثرهم جهلاً وأقلهم ثقافة، من أين جئتم بتلك الثقة؟!

أنتم أكثر شعوب العالم ثقة بدياناتكم على الرغم من أنكم أكثرهم جهلاً بأمور الدين حتى أن معظمكم ينتمون إلى الدين بالوراثة فقط، من أين جئتم بتلك الثقة؟!

أنتم أكثر شعوب العالم ثقة بتقاليدكم وعاداتكم الموروثة على الرغم من أنها أكثر التقاليد خرافة وبدع، من أين جئتم بتلك الثقة !

أنتم أكثر شعوب الأرض ثقة بحكامكم وقادتكم على الرغم من أنهم أقل قادة العالم علماً وإنجازاً ورؤية، من أين جئتم بتلك الثقة؟!

أنتم لا تعلمون شيئاً عما تثقون به وما تنتمون إليه، ولا تفقهون شيئا عما تؤمنون به ومع ذلك تدافعون باستماتة عن كل ذلك، وتستنكرون ما سواه، من أين جئتم بتلك المعادلة؟!!

كنت في صغري أشاهد تلك المسلسلات والأفلام التي يطلق عليه "وطنية" كان كثيراً ما يتردد على مسامعي كلمة "فدائي" وكان لها وقع السحر على أذني ومخيلتي، فهؤلاء الشجعان الذين على أتم الاستعداد للفداء بأغلى ما يملكون - الروح - من أجل الوطن والدين من أجل ما يؤمنون به، لم يخطر ببالي حينها أن أتساءل ما مدى علمهم بما يؤمنون به؟

تساءلت الآن ووجدت الإجابة في عيون وعقول كل من قابلت من الواثقين من بني وطني، نعم أنتم أيها الجهلاء، أنتم يا من لم تعرف عقولكم الشك، تخشونه وتهربون منه، بل ترتعد فرائسكم من سماعه، لعل هذا من قبيل جهلكم به، إن الشك أو تلك المسافة بين التصديق والتكذيب هو الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها العقل من أجل أن يجنح إلى أحد طرفي الحكم بعد بحث عميق ودراسة طويلة، فإما أن يُـصدق وإما أن يُكذب وما أن يستقر على إحداهما يمتلأ بالثقة في ما وصل إليه وفيما آمن به وبذلك فقط تكون ثقته على وجه الحقيقة وليست على وجه الزيف وخداع النفس، حينها تكون الثقة مرتكزة على دعائم العلم والتحقق والتثبت وليس على وجه الخرافة والوراثة والتخمين ومواكبة التيار أينما حل.

إن النتائج الحتمية لما أراه وأسمعه منكم يجعلني بلا تردد أشك في ثقتكم لأنها بلا مقدمات حقيقية بلا دعائم قوية بُـنيت على أطلال خوف وكره وجهل وعبث وخرافة وإرثٌ قحط غير مثمر.

ولكن على ذكر الشك لا أظن أنكم منزهون عنه تماما كما ذكرت من قبل، بل لعلكم تشّكون ولكن شككم في الاتجاه المعاكس، فبدلاً من أن تشكوا في آرائكم وأفكاركم ومعتقداتكم لتبدأوا رحلة البحث والتساؤل والتمحيص لتصلوا إلى حقائق تلك الأشياء، استبدلتم كل ذلك بالشك في بعضكم البعض وفي نوايا مخالفيكم الرأي، فبدلاً من أن تشكوا في مضمون الرأي وصلب المعتقد، شككتم في شخوصهم ونواياهم، وكأنكم وثقتم وتيقنتم - مرة أخرى- من رغبتهم في هلاككم وضياعكم.. حقيقةً.. ما أذكاكم !!

وحتى لا تتملكنى القسوة عليكم ولا يسوقني الغضب منكم، أنتم لستم جهلاء فقط بل لعلكم أيضاً عباقرة، نعم عباقرة في ترديد الكلام، بل أنتم تتنافسون مع الببغاء على عرش ذلك المجال، إن كل قناعة لها عندكم قول مأثور أو حديث أو آية أو أي شيء من هذا القبيل تعيها ألسنتكم كل الوعي ولا تفقهها عقولكم ولا تستشعرها قلوبكم، فما تلبثون أن ترددونها بلا كلل أو ملل في كل زمان ومكان، وكأن لديكم قاموس خاص بكم "لكل قناعة بضعة من السطور" تلقونها من أفواهكم كالقنابل الذرية وهي في حقيقة الأمر ألعاب نارية مما يلهو به الأطفال في الأعياد.

مندفعون أنتم بلا عقل ولا حكمة وباندفاعكم هذا أضعتم كل أمل في حياة كريمة واستبدلتموه بيأس عضال، لا شفاء منه.. لا شفاء منه.. لا شفاء منه.
دمتم واثقين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.