المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد رشاد Headshot

وطنيتي الزائفة

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر جيدًا تلك الأيام؛ أيام الصبا والحلم حينما بدأت تلك الوطنية تتسرب إلى وجداني، أغلب الظن كان ذلك عام ١٩٩٠ وتحديدًا أثناء بطولة كأس العالم الذي استطاع المصريون فيه تخطي المستحيل والخروج من البطولة من الدور الأول بعد اصطياد نقطتين لا ثالث لهما وهدف يتيم يُذَلُّ به كل مصري حتى بعد عشرات السنين. لم نر بعدها قدم لاعب مصري واحد داخل المستطيل الأخضر المونديالي، حينها كنت أبلغ من العمر ثمانية أعوام ولا أتذكر سوى مباراتين "مصر وهولندا" والمباراة النهائية بين "ألمانيا والأرجنتين" التي كنت أشاهدها في منزل عمي في أحد أحب مناطق الإسكندرية إلى قلبي وهي منطقة بوالينو بمحرم بك، أتذكر في ذلك العام تحديدًا كانت بداية أحلام اليقظة الوطنية التي رافقتني طويلًا بعد ذلك، فبمجرد ترديد اسم مصر على مسامعي تجد حالة من الشجن تتلبسني كأنها عفريت لا أستطيع السيطرة عليه أو إخراجه من بين تلافيف عقلي الولهان -حينذاك- فأغمض عيني وأتخيل منصات التتويج والأعلام المصرية التي ترفرف في الهواء وربما في الفراغ، والأغاني الوطنية تملأ أرجاء المعمورة أو ربما المهجورة.

استمرت أحلام اليقظة تراودني حدث تلو حدث بلا كلل أو ملل سنوات عديدة على الرغم من تلك الصدمات التي كانت تسقط على رأسي فينقلب حلم اليقظة ذلك إلى كابوس مرعب بطله الفشل واليأس. وبعد تلك السنوات التي كانت حجر الأساس في تكوين الشعور الوطني لدي، دخلت في مرحلة اللهو القصري التي تبدأ بدخول الجامعة، والتي تستلهم بداياتها من حالة الكبت العفوي التي يتسبب فيها أبوان عاشا حياتهما بعفوية ويمارسان معك التربية بعفوية وفي الغالب ينهيان حياتهما أيضًا بعفوية، أعتقد أن أغلب شباب جيلي قفزوا بداخلها عنوة وهي المرحلة التي لم يشغل بالنا فيها سوي أنفسنا، وبالتحديد جوانب الفراغ واللهو والعبث التي من شأنها سد ثغرة الكبت التي توالت عبر أيام طوال ثقيلة الظل، في تلك الفترة تنحت الوطنية جانبًا فلم تكن على رأس أولوياتي، حتى بدأت تلك المرحلة ترفع راية الاستسلام بحالة من الفتور والملل الذي اعتلاني بعد إشباع مفرط لحاجات النقص بداخلي.

منذ تلك اللحظة نشأت بداخلي رغبة ملحة في استدعاء حالة الوطنية التي تناسيتها، لسد فجوة الملل التي انتابتني، ولما كانت تلك الفترة تمتلئ بالفتور السياسي والوطني لم أجد بدًّا من الاحتماء بإرث الماضي فبدأت أفتش فيه بسطحية لعلي أجد فيه ما لم أجده في حاضري، بدأ جهاز الكمبيوتر المشترك بيني وبين إخوتي يمتلأ بالخطب السياسية الرنانة لعبد الناصر والسادات، كخطبة التنحي، والمنشية، وخطبة الكنيست، وصادفت تلك الفترة معرفتي بالموقع الشهير "ذاكرة مصر المعاصرة" فكنت أقضي أوقاتًا طويلة أمامه محاولًا استرجاع اللحظات التاريخية التي مرت بها مصر ومشاهدتها لعل هذا يحيي الأمل بداخلي.

حتى تلك اللحظة كان الشعور الوطني وليد الوجدان والقلب وخطب الماضي الرنانة والمشاعر الملتهبة التي تنتابني كلما استمعت إلى خطبة أو رأيت حدثًا. ولم يخطر على بالي حينها حتى مجرد البحث وراء تلك الأحداث لمعرفة الخلفية التاريخية لها وما وراء الكواليس، أو أي شيء من هذا القبيل، كنت أظن أن تلك الوطنية صادقة حقيقية حتى وإن كان قائلوها يخدعون ويراوغون ولا تتسق أفعالهم مع خطبهم، كل ذلك لم يكن من أولوياتي حينها أو حتى من اهتماماتى، لم يكن يعنيني أبدًا البحث وراء الحقيقة وتأييد الصواب ونكران الكذب والأخطاء حتى تستوي كفة صناع التاريخ بما لهم وما عليهم، كان فقط جل همي البحث وراء الكلمة المصنوعة بحرفية ولا عزاء للأفعال التي قد تختفي وراء كاريزما مزيفة صنعت على أطلال فعل لم يرَ نور الشمس تشرق وكأن خسوفًا حال بينه وبين الضياء.

بدأت المرحلة قبل الأخيرة في حياتي الوطنية وهي مرحلة الثورة، حيث بدأت مع ثورة 25 يناير بحالة من الوطنية لم يسبق لها مثيل فلم يستطع إيقافها أحد كائنًا من كان، كان الفرق بين الشعور الوطني أثناء الثورة وقبلها هو امتزاج المشاعر الوطنية المعتادة بغضب وأمل وانتقام، كان الغضب بالنسبة إليّ من نفسي أولًا قبل النظام وقبل الظلم فغضبي من خنوعي كان أعظم من غضبي ممن قامت عليهم الثورة، وأملي كان نتيجة حتمية للتجربة التونسية فقط فلم يكن نابعًا من أي نوع من أنواع الثقة لا بنفسي ولا بالشعب ولا بالنظام، وكان انتقامي ليس من النظام بقدر ما كان من العجز الذي كبل أعناقي سنين طوالًا.

ارتحلت بعد ذلك مع آخر رحلاتي الوطنية "مرحلة ما بعد الثورة" أو بشكل أدق ما بعد أيام التنحي الثمانية عشر، اصطدمت حينها بمفهوم آخر للوطنية هو وطنية الأفعال والتأييد والرفض ما يمكن أن يطلق عليه "وطنية المواقف" فكان الأمر بعد تلك الأيام لا يحتمل مجرد المشاعر؛ فالزخم السياسي وتسارع الأحداث واختلال موازين القوى والتوازنات السياسية يحتم عليك التعامل بوطنية الأفعال، فمن تؤيد ومن ترفض ومن تنقد ومن تسقطه من حساباتك، هل أنت مع نعم أو لا، مع من ستقود مسيرة التغيير وعلى حساب من سترجح كفة من، حينها لم تنفعني الوطنية التي ترعرعت بين ضلوعها في تحديد المواقف التي ينبغي تبنيها كي أكون من الوطنيين حقًّا فلا عقل يفكر ولا ثقافة تُسعف ولا أي شي سوى شعور مقيت بالعجز والحيرة والتبلد، فالتربية الوطنية التي تنشأ على المشاعر الفارغة دون أدنى إعمال للعقل دون أدنى معرفة بالتاريخ دون أدني قدرة على النقد وخلق البدائل هي محض هراء وزيف ووهم نعيش فيه منذ زمن سحيق ولا زلنا.

هنا تبينت لي الحقيقة أن "كبح جماح الوطنية" من الفضائل التي يجب علينا الإبحار وسط أهوالها وتحمل تبعاتها فهي طوق النجاة من زيف الوطنية ووهم الشعارات.