المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نعمة الله Headshot

وطن

تم النشر: تم التحديث:

وطن.. ليست مجرد كلمة تحوي ثلاثة أحرف، يقولون إنه من الصعب تفسير هذه الكلمة وتلك الأحرف التي تمتلك أزماناً وعصوراً تحملها عقول أصحابها في بضعة سطور أو حتى كل المجلدات.
يقولون إن تلك الكلمة هي أول شهقات الحياة قبل الميلاد.. يقولون إنها الهوى الذي يصنع كيانك برسم ملامحك وهيئتك وعنوانك الذي منه تبدأ روحك وتنتهي.


الوطن.. هو حبيب تلقي عليه همومك وآلامك فيحملها عنك ويهديك سلاماً وحناناً وشمساً وهواء.. وأم.. فهو خير مثال عن الأم ما مثله مثيل.. ويقولون ويقولون.

يقول محمود درويش:
حينما تسأل ما معنى كلمة وطن؟
سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى.
تسأل حينها: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات، وتضيق بنا؟

اعلم صديقي الحبيب.. أن وصف الوطن ليس سهلاً، وليس مصطلحاً مجازياً أو فعلياً يمكن اجتيازه لغوياً لتعريف مسقط للنشأة أو مكان للإقامة، فالوطن ليس هو الأرض والخبز والحدود، والوطن ليس في أنظمة الدولة ولا سياساتها.

الوطن.. هو شعبه ونبضه فيهم، هو هوية الإنسان ووجوده ومعاناته وأحلامه وذكرياته وحزنه وفرحه، هو سجل مرور كل لحظات حياتك.

الوطن.. هو روح من يسكنونه ويعيشون فيه.. أن تحاول أن تصف الوطن كأن تحاول بلسان حالك وصف الروح التي عجز عن إدراك طيفها كل البشر ولن يستطيعوا.


هل لأنظمة الدولة روح؟!
كيف يحاول إنسان حباه الله عقلاً وفهماً وعلماً يغمره الحب والحنين أن يختزل الوطن في بلاد تحركها الأنظمة ويهمّش فيها شعبها وتصبح مجرد دولة جغرافية سياسية لأصحاب الكراسي مثل مثيلاتها من بلاد الأرض؟!


تولد في الوطن فترى أشياء مفروضة عليك رغم أنفك تكون مجبراً عليها ويجب عليك أن تتأقلم على العيش بها كالمرض يلازمك حتى الموت ليس له دواء.
وحينما تفكر في إيجاد الدواء يضعك الوطن داخل القفص حتى يقضي عليك بين جدرانه.

الحرية في وطني
عروس مات عريسها في ليلة الزفاف، في ليلة كان المفترض فيها بناء بيت على الحب والوفاء.

في وطني باتت أخبار الموت في شوارع بلادي أكثر من أخبار الحياة.
حتى كدت أخاف من ذلك الصباح الذي سيحمل اسمي بين شهادات وفاتهم قبل أن أعرف معنى الانتماء لوطن صحيح ليس به كسور أو شظايا فناء!
ترى هل الوطن الذي يدفع الناس أرواحهم ثمناً لأجله كل يوم يستحق كل تلك المعاناة بالفعل؟!
هل هو وطن حقيقي إلى درجة أنه أغلى ثمناً من الذين يتطايرون شهداء فوق ترابه؟!


نحن في وطننا لا نشعر حتى بحق المواطنة.. في هذا الوطن لا نجد أقل حقوقنا، لا نملك حق الاعتراض على ما نرفضه من سياسات وقوانين تؤذي وجودنا، نُباد ونهان وتسيل منا الدماء على موائد السياسات الكبرى والأنظمة المتسلطة الكارهة لحقوق الوطن قبل حقوق مواطنيه.

والشوارع ليست لنا كما نتوهم بين جنبات أنفسنا في الأغنيات الوطنية الدافئة التي تملأ القلوب عشقاً ممزوجاً بحنين تحمله الروح في أعماق طيفها الدافئ، فحتى حريتنا في الشوارع أصبح لها حدود!
إنها بلا أدنى شك حرية مقننة كي تخدم كل من امتلك بين يديه بساط الدنيا الزائل.


نحن في وطننا لا نملك حتى بيوتنا!
في الأنظمة الجديدة يفني المواطن عمره في ادخار فتات المال من عرقه وضنك حياته ليستطيع شراء منزل وبناء أسرة كي تستقيم الحياة وينجب الوطن من يحمل شروق شمسه في كل جيل، ثم تأتي الحكومات بكل بساطة وتدكه على ما فيه.
لماذا؟!
لا ضرورة للمبرر؛ لأنه هو النظام ذاته وليس من يسيره،
وهنا يكمن السؤال الذي لا يغادر فؤاد كل مواطن قبل عقله في كل لحظات حياته متحدثاً بذلك السؤال مع ذاته بنبرات الهمس الخافت وهو يعلم جيداً الإجابة قبل أن يسأل.
أين يذهب المواطن وأهله؟!
- لا يهم.
من يدفع له مقابل منزله المحطم؟!
- لا يهم.
من يعوضه عن شقاء عمره الضائع في امتلاك جدران هذا البيت؟!
- لا يهم.

ليس في الوطن الجديد الذى يريدون صنعه لنا ما نحب، ليس لنا فيه نبض الحياة ولا همسات الروح ولا غناء الشوق ألحان الحنين بين جدرانه وعتبات بيته وطرقاته التي تسطع منها أكاليل روح الوطن.

نحن في وطننا يتكرر مسلسل إبادتنا كل يوم، وبكل الطرق، في السجون والتعذيب والترهيب تارة، وأمام الأسلحة تارة، وداخل أكاذيب مخنثي الفكر والإعلام تارة، وتحت أنقاض المهدمات التي تحمل بين طياتها تاريخ حياة أزمنة وعصور تارة، وبالرصاص تارة، وبالجوع تارة، وبالإهمال، وتعمد الجهل داخل أرواح عقول الشباب تارة، وبانقطاع الماء والكهرباء والغذاء وأولويات الحياة تارة، وسلب الدين تارة بعد تارة.. لماذا؟!
حتى يصير الوطن حظيرة كبرى نكون فيها كالبهائم التي تساق كي تأكل ثم تنام لا غير.

والحرية صارت حلما نتمناه واقعاً بين دموع الوطن، صرنا لا نملك بين زخات مطر الحرية على وطننا الموت الشريف، الإنساني.. المكرم لنا.
وفى وطني المحسوب على خريطة الإنسانية وطناً.. يذهب المواطن إلى المشفى لا لتشرق شمس الحياة بين دماء جسده المختلط بتراب وطنه الحبيب لا لا.
إذا كانت الإجابة لا فلمَ يذهب إلى هناك؟!.. ببساطة يذهب إلى هناك كي يموت، نعم يموت، ولكن بسلام.
فربما يمنحه مخدر أصحاب المناصب بعض الوهم بالراحة أو تخفف عناية وطنه الذي يحبه ويعشق ذرات ترابه آلام قلبه العاشق المتيم به رغم توالي طعنات وطنه له رغماً عنه بسحائب أمطار الدموع المشفقة على حالها وعلى فلذة كبدها في أنفاسه الأخيرة يتجرع كأس العلقم ليفتديها بروحه من شفير الموت على لسان حال قلبه بينه وبين وطنه الحبيب.

لكنهم يقولون له إن الطبيب مشغول، أو إن الأماكن شاغرة الآن ولا مكان لك؛ لذا عليك أن تموت في وقت لاحق، أو أن تجد لنفسك حيزاً بالخارج لتتألم فيه بحرية بدون إزعاجنا.. شكراً لك عزيزي المواطن.


نحن أبناء هذا الوطن، الذي أصبح الموت فيه سلاماً وعلى نحو طبيعي فيه إنجازاً لا يستهان به، ينبغي أن تعرف قبل أن تنزل بقدميك شوارع وطنك المسلوب -أيها المواطن- أن الوطن لا يستحق الشهادة بعد أن يُختزل في دولة، لكنك أنت من يستحق الأجر على ذلك السعي أو بحاجة إليه.


نحن لا نملك وطناً حتى نشعر بالتقصير تجاهه، أين هذا الوطن الذي لا نشعر فيه بوجودنا وأبسط حقوقنا للحياة؟! الوطن الذي يقمعنا، كأن دستوره وقوانينه شرعت ضدنا، وليس من أجلنا.

نحن لا نملك وطناً على الإطلاق، نحن فقط ننتمي للمكان الذي لا نملك سواه لنأوي إليه، ونمارس حياتنا ببعض الكرامة، وربما هناك خطأ آخر في تلك العبارة.. ننتمي؟!
هناك فارق كبير، بمسافة عالمين، بين الانتماء والتواجد.

نحن لا ننتمي لهذا الوطن، نحن نتواجد هنا فقط، ونحن هنا فقط لأننا لا نمتلك وطناً آخر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.