المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ناصر محمد Headshot

الخلاص

تم النشر: تم التحديث:

"لا يحصل المرء علي خلاصه حال تمنيه ذلك، فالأمر يحتاج إلى وقت ومجهود لا يقدر عليه الكثيرون، حتى وإن حرك الأمل الكثيرين، فلا يحصل على خلاصه إلا من أعد وتحمل. "

كلنا يعلم ما أصاب الصحابي الجليل بلال بن رباح من سيده أمية، وكيف أنه وجد خلاصه في قولته الخالدة: " أحد.. أحد ". كلمته البسيطة تلك حملت بين طياتها إيماناً جعله يسمو فوق الألم، جعلته يتعالى على كبر سيده وصلفه ورغبته التي لا تنتهي في سحقه وكسر عزته وأنفته، لكن بلالاً أسمع الكون تغريدته وظل يرددها معه حتى لحظتنا هذه، ولقد غدت تغريدته تلك مثالاً لما قد يحققه المرء من نصر على نفسه وظالميه وأهل الأرض جميعاً حين يحصل على خلاصه، حتى وإن كان خلاصه في مجرد كلمة، لكنها تنبع من نهر إيمان دافق في قلبه...وهكذا انتصر بلال.

ولا يزال ميدان النصر مفتوحاً على مصراعيه، لكن هل من باحث عن خلاصه؟
وفي حياة كل منا "أمية" يمنع عنه زاد الحياة ويصليه العذاب أصنافاً وألواناً، يربطه إلى سارية في الرمضاء، ويثقل صدره بحجارة تحرقه وتمنعه النفس، فمنا من أميته ظروفاً لا يملك معطيات التخلص منها، ومنا من أميته صلفاً يجده من الناس دون مبرر، ومنا من أميته زوجة لا تتقي الله فيه أو زوج لا ينفذ وصية النبي في النساء أن رفقاً بالقوارير، ومنا من أميته حاكم ظالم لا يقوم في الناس بالقسط، وعلى سبيل التعميم قد يكون أمية ظروفاً وأحوالاً اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو عائلية أو أياً ما يكن، لكن السؤال من سينتصر إن لم تجد خلاصك كما وجده بلال منذ قرون قبلك؟

حتماً لن تكون المنتصر، لأنك تقوقعت حول ذاتك ونسيت أن تبحث عن خلاصك لتحصل على نصر لن يكون بعده هزيمة أبداً، وإنما رفعة ذكر كما حدث مع بلال رضي الله عنه، حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم: "إني قد سمعت دف نعليك بالجنة". الآن وجب عليك أن تقابل أميتك بشجاعة، ولكن بعد أن تجد خلاصك، لكن ما قد يكون خلاص المرء؟

ليس ثمة وصفة محددة للخلاص، وكلنا يعلم كيف يتغلب على الظروف من حوله، فالعقول التي أهدانا الله إياها صنعت حضارات ومعجزات نعيش أثرها اليوم وستبهرنا بما يمكنها فعله في المستقبل، أفتعجز عن إيجاد حلول لمشكلات مزمنة في حياتنا؟ أنا لا أعتقد ذلك وأثق في أنكم توافقونني الرأي.

إذن أين تكمن حقيقة المشكلة؟ إنها وبلا شك في الخوف الذي يسيطر على البشر فيمنعهم من مجرد إرادة التغيير. فأياً يكن ما يواجهه المرء في حياته، فهل قد يتغلب عليه إن هو تملكه الخوف؟ إن الخوف القابع في أعماق نفوسنا البشرية يقتل أثمن ما أهدانا الله في الحياة، إنه يقتل إرادتنا التي تميزنا عن جميع المخلوقات، إرادتنا التي بنينا بها أهرامات وحدائق معلقة وناطحات سحاب وصعدنا بها إلى القمر وتدفعنا اليوم لسكنى المريخ. هذا ما حققناه بإرادتنا حين تحرر بعض البشر من خوفهم وتملكهم شغف مدفوع بإرادة حقيقية لتحقيق المستحيل، فماذا بالله لو تحرر البشر جميعاً من خوفهم وامتلكوا إرادة حرة؟

إن الله قد نفح فينا من روحه وأسبغ علينا صفات كانت له خالصة قبل خلقنا، فلم يكن من يملك إرادة حرة غيره، لكنه وعن حب حبانا الإرادة لنفعل ما نشاء، فلماذا نتنكر لهدية الله لنا؟ أعلم أن البعض يعي هذا جيداً لكن الخوف الذي لا مبرر له في أغلب الأحيان هو من يدفعهم لذلك... إنه الضعف البشري الذي يجب أن نحاربه.

أعجبتني يوماً مقولة قرأتها لمجهول قال فيها متعجباً من سخافة البشر: "إننا نتفادى المخاطر لنتقدم بأمان نحو الموت ". لماذا الخوف إذاً وأقسى ما قد يصيب المرء حين يريد التخلص من أميته في حياته هو أن يموت، أنخشى الموت؟ إن كنا نفعل، فلا أصح من أن نتهم إيماننا الذي نفخر على الدنيا بأننا نمتلكه نحن أهل الشرق، وكيف نخشاه وهو الحياة الحقيقية؟ ألسنا نسعى في الدنيا قاصدين وجه الله في الآخرة؟ ألسنا نبتهل دعاء بأن نرى وجه الله في الجنة؟ وكيف يكون ذلك إن لم نمت، أو بالمعنى الفلسفي للكلمة، إن لم ننتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.

وإن الحياة توهب لمن يبحث عن الموت، لكن ليس موت العاجز المفعول به، وإنما موت الفاعل المتحرر الذي وجد خلاصه وقاتل لأجله وجعل ديدنه في حياته تبصير الناس بروعة الإرادة البشرية. إن خالد بن الوليد لم ينل الشهادة في ساحة المعركة، وكلنا يعلم كيف كان خالد في معاركه وهو الذي لم يهزم قط في معركة أبداً وإنما مات على سريره كما يموت البعير، طبقاً لقولته، فلا نامت أعين الجبناء. إن خالد، وكذا العظماء من البشر، تحرروا من خوفهم وامتلأوا بإرادتهم لتحقيق المستحيل. ألا ترغب أن تكون عظيماً مثلهم! ألا ترغب في أن يرفع ذكرك بين الناس وعند الله! ألا تعلم أن البشرية في أمس الحاجة إليك! إياك أن تظن أنك مجرد رقم بشري بين مليارات سبعة أو يزيد، أقسم أنك متفرد، لم ولن تتكرر، فتحرك فلعلك أنت من يرد البشرية عن طريق الهاوية الذي تسير فيه.

دعنا نعصف أذهاننا معاً فيما قد يعنيه الخلاص. وإني أرى الخلاص في أن يضع المرء نفسه في موضعه المخصص له، إذ لما خلقه الله جعله خليفة في أرضه، فمن رضي بغير مقام الخلافة فلن يحصل على خلاصه ولن تزيده الحياة إلا أعباء وأثقالاً يرزح تحتها ليل نهار حتى يأتيه الموت

الخلاص، أن يشعر المرء بالأمان والسكينة في أحلك الظروف إيماناً منه بأن التجارب الدنيوية مهما طالت فهي إلى زوال، ويقيناً بأن الذي قدر هذه الظروف هو حكيم بعلم. فلا يأس المرء، بخلاصه، على شيء فاته ولا تخرجه الفرحة عن وقاره بشيء أو تاه.

الخلاص ، حرية مشروطة بمبادئ وأخلاق يلتزمها أولو العقول الناضجة والأنفس الطاهرة والأرواح الذكية ، يعرفون بها حق الخالق وحق عبادة، فلا تعجزهم النواهي ولا تقعدهم الأوامر، ديدنهم إصلاح أنفسهم وإصلاح الناس من حولهم، قد يعتريهم العجز البشري المؤقت، لكن شغفهم يمنحهم السمو فوق ضعفهم. وإن المخلَصين هم محترفو العمل نهاراً، رهبان العبادة ليلاً.

لست أدعو إلى التشاؤم، وإنما أدعو إلى الشجاعة وعدم الخوف وتحرير الإرادة البشرية، وإني لأوالي من يدعو لما أدعو إليه وأنبذ من يقتات على بث الرعب في قلوب الناس خوفاً من تحرير إرادتهم حفاظاً على مصالحهم الخاصة، وإلى قارئي كلماتي هذه، إياكم أن تعتقدوا أن أمية قد مات، إن أمية فلسفة باقية إلى قيام الساعة، فلسفة الاستعباد والخوف وتدجين البشر. إن كنتم ما زلتم غير مدركين لماذا يخشى أمية من بلال فاعلموا أنكم لم تفكروا بعد في خلاصكم، وأتمنى لكم أن تحرروا إرادتكم ففي تحريرها خير لكم وللبشرية .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.