المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

ليست نوايا حسنة .. بل غباء مستحكم!

تم النشر: تم التحديث:

1 - حتى مبارك كان حريصا على وجود برلمان!

حتى 2005 لم يكن مبارك يواجه أزمة حكم سياسية حقيقية، وحتى 2010 لم يكن مبارك يواجه أزمة شرعية حقيقة لنظام حكمه.. مبارك نفسه فرغم الفساد والاستبداد والعمالة لإسرائيل لم تتعالى المطالبات بخلعه وإسقاط نظامه قبل برلمان 2010 سيء السمعة، والذي شهد تزويرا فجا.

وخلال فترة حكم مبارك كان حريصا دائما على وجود برلمان ديكوري يزين به نظام حكمه الاستبدادي، ولم يحدث أن شهدت سنوات حكمه الثلاثين فترة بلا برلمان! وكان مبارك يضمن ولاء البرلمان بأوراق ضغط ويسطر على النواب عمليا فترة من خلال كمال الشاذلي، وفترة من خلال أحمد عز.

***

2 - صراع الانتخابات بدأ مبكرا!
منذ الإعلان عن بدء إجراء الانتخابات البرلمانية؛ تحول الصراع المكتوم بين أجنحة النظام إلى صراع ساخن محموم ، علني ومكشوف، وصل للضرب تحت الحزام، بهدف توجيه ضربات استباقية للخصوم لإخلاء دوائر بعينها لأشخاص بعينهم.

فمن غير الخفي أن حمدي الفخراني واحد من رموز الفساد منذ زمن، لكن اعتقاله اليوم بهذه الصورة المهينة، في قضية فساد وبتسجيلات صوت وصورة ، ليست استفاقة متأخرة لأجهزة الرقابة الغارقة في الفساد من ناحية، وشديدة الولاء للنظام من ناحية أخرى، بقدر ما هو استخدام لورقة ضغط على خصم برلماني محتمل، تمهيدا لإخلاء الدائرة لشخص ما منتظر.

نفس الأمر تتكرر في الإسكندرية حين تقدم نجل أبو العز الحريري إلى لجنة الانتخابات بأوراق ترشحه، ففوجيء بأن عليه حكما بالسجن ثلاث سنوات، وهي أحكام نعلم جيدا كيف ومتى تخرج! أغلب الظن أن الفخراني والحريري مجرمين، لكن الأمر لا علاقة له بالعدالة، إنما بالبرلمان المقبل.

***

3 - بارانويا السيسي تجعله يخشى من برلمان يمكنه سحب الثقة منه!

لا يمكن التغاضي عن عدم وجود برلمان في مصر لفترة أطول، خاصة مع نظام يعاني منذ اليوم الأول من أزمة شرعية فجة، بالانقلاب على رئيس مدني منتخب كان حريصا على عودة المؤسسات المنتخبة.
الانتخابات كان مقرراً لها أن تجرى خلال 60 يوماً من انتخاب رئيس الجمهورية، أي تشكيل مجلس النواب بحد أدنى في أغسطس/ آب العام الماضي، لكنها لم تجرى حتى الآن، ومشكوك في إجرائها كذلك!

المشكلة أن الغرب يريد أي شكل من أشكال البرلمانات في مصر حتى ولو كان برلمانا ديكوريا مزورا كما تعودوا أيام مبارك، وهو ما فشل فيه السيسي رغم القبضة الأمنية حتى الآن.

ورغم أن السيسي - الذي أصدر 315 قانونا في 15 شهرا - كان قد سبق وأصدر قانونا يتيح له حل البرلمان المقبل الذي لم يتكون بعد، فإن جنون الارتياب الذي يتملك منه أكثر وأكثر كل يوم يجعله مرتابا من برلمان من حقه سحب الثقة منه، حتى ولو كان نوابه مختارين بعناية.

فكما ذهبنا في مقال "بارانويا السيسي" فإن السيسي مصاب بمرض البارنويا "جنون الارتياب" الذي يجعله يشك في كل شخص وكل شيء، ويرى نفسه عظيما بشكل يحسده عليه جميع الزعماء والرؤساء، فهو "طبيب الفلاسفة" الذي يستمع إليه كل السياسيين والعسكريين وواضعي الاسترتيجيات في العالم، لكنه لسوء حظه محاط بمخاطر جمة، ويرى الدنيا مكانا غير آمن، ولديه شعب غير مؤهل كي يحكمه شخص مثل السيسي!

وعلى غير الشائع فإن البارانويا لا تعني جنون العظمة، وإنما جنون الارتياب، والحقيقة أن جنون العظمة هو أحد أنواع جنون الارتياب، وهو نفس ما ذهبت إليه مجلة فورين بوليسي الأميركية في تقرير لها عن مصر والصادر يوم السبت 23 مايو الماضي عقب أحكام الإعدام الجماعية.

أغلب الظن أن الانتخابات البرلمانية لن تتم، وإذا أتى البرلمان فبالتأكيد لن يكون بالصلاحيات الممنوحة له حاليا في الدستور المكتوب بعد الانقلاب. وأسباب التأجيل المحتمل لانتخابات البرلمان المقبلة، أو تعديل صلاحياته مسبقا بتعديل دستوري، هي نفسها أسباب تأجيل الانتخابات في مارس الماضي.

وحسب صحيفة العربي الجديد فإن تقارير أمنية تم رفعها إلى السيسي تحذره من انقلاب أبيض قد يقوده بعد رموز النظام المسيطرين على العدد الأكبر من نواب البرلمان المقبل، وذكرت بالاسم نجيب ساويرس، الذي وعد نواب حزبه بنصف مقاعد البرلمان!

واحتمال التخلص من رأس النظام مع الإبقاء على جسده مورست كثيرا من قبل، وحتى في مصر في 2011، وقد يبدو حلا مقبولا لرعاة الانقلاب، يتخلصوا به من السيسي كشخص، بعد أن تأكدوا أنه جزء من المشكلة ولن يكون جزء من الحل، وفي نفس الوقت لا تسقط البلد مجددا في حجر الإخوان، مع بقاء الجيش كقوة عسكرية حامية لمصالح أميركا في مصر، تتدخل إذا أتى رئيس من النوع غير المطلوب من القادة كما حدث في يوليو 2013.

***

4- معادلة: الهبرات الكبيرة للرئاسة، والهبرات الصغيرة للبرلمان!

العلاقة بين السيسي ومن حوله وصلت في لحظة 3 يوليو وما بعدها إلى المرحلة التقديس، مع تأكيد مستمر أن مصر لن تعود لحكم العسكر، وأنه لن يترشح للانتخابات.

لكن مع تبين كذب وعود السيسي، صارت العلاقة بينه وبين شركائه السابقين في تحالف 30 يونيو إلى المصلحة المادية البحتة فقط، دون أي اعتبارات أخرى. وإذا أراد السيسي استغلال فائض القوة الذي لديه ( بسيطرته على الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والدعم الخارجي) للوصول للرئاسة، فليس أقل أن يترك لهم البرلمان يغتنموا من ورائه سياسيا واقتصاديا!

وإذا كان السيسي يختلف عن مبارك في العقلية والأسلوب، فإن النواب المرشحين لبرلمانه المنتظر لا يختلفوا كثيرا عن نواب برلمان مبارك، بل ربما هم أنفسهم ذات الأشخاص بذات الوجوه القديمة تحت نفس القبة القميئة وإن صار لها اسم جديد "مجلس النواب"!

وهؤلاء "النواب" نشئوا وترعرعوا على معادلة سياسية أنشأها مبارك ورسخها عبر عقود، وهي: "دعوا الرئاسة للهبرات الكبيرة، والبرلمان للهبرات الصغيرة." وهذه المعادلة كانت لا تسبب إزعاجا لمبارك، لكنها مشكوك فيها الآن، لأن البرلمان نفسه مشكوك في ولائه!

***

5 - الدستور كتب بنوايا شديدة السوء .. وليس بنوايا حسنة!

الآن يرى السيسي أن مواد الدستور الذي صنعه بلجنة معينة منه شخصيا كتبت بحسن نية، والحقيقة أنها كتبت بنوايا شديدة السوء. فلقد كان هدف هذه المواد كما قلنا إعطاء انطباع أن التحصين المذكور لوزير الدفاع يعني أن السيسي لن يترشح للانتخابات. لكن أما وقد نال مراده فقد بدت الحاجة ملحة لتعديل الدستور حتى تزيد اختصاصاته وتقل صلاحيات البرلمان!

وأغلب الظن أن السيسي حتى كتابة هذا الدستور كان يمارس خطة خداع لا يعرف بها إلا الدائرة الضيقة المحيطة به، وأسياده في واشنطن وتل أبيب، بغية الوصول إلى الحكم. حتى محمد بن راشد في الإمارات أدلى بتصريح طالب فيه السيسي بعدم الترشح، ما يعني أن ما حدث كان مخالفا بشكل أو بآخر لما تم الاتفاق عليه.

وكأن السيسي ليس قائدا عسكريا خان رئيسه وانقلب عليه، وكأنه زعيم مؤسسة عسكرية للانقلابات الخيرية يقوم بالجرائم كي يقطف غيره الثمار! إنها ليست نوايا حسنة بل غباء مستحكم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع