المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

إيران الفائز الخاسر في حلب!

تم النشر: تم التحديث:

بدأ الحديث عن تسوية سياسية للحرب السورية فور سقوط حلب؛ روسيا تريد تسوية سريعة قبل أن تغيِّر تركيا موقفها وتستأنف دعم المعارضة المسلحة، وتركيا تريد تسوية سريعة قبل أن تغيِّر روسيا موقفها وتستأنف دعم الأكراد، وأميركا تريد تسوية سريعة قبل أن يغري سقوط حلب إيرانَ وتسيطر على كافة الأراضي السورية.. فما ملامح هذه التسوية؟

1- ثلاثة سيناريوهات لانتهاء الحرب في سوريا:

منذ بداية الثورة ومع تحولها إلى حرب مسلحة، كانت هناك ثلاث إرادات متصارعة في سوريا:
أ‌- إيران والنظام السوري: الراغبان في إخماد الثورة واستعادة كافة الأراضي التي حررتها المعارضة.
ب‌- المعارضة: الراغبة في إسقاط نظام الأسد بالكامل وإقامة نظام جديد.
جـ- الغرب: الراغب في تقسيم سوريا على غرار العراق إلى كيانات متمايزة عرقياً وطائفياً؛ لتتناحر فيما بينها فيما بعد، كما يحدث في العراق الآن.

قد يبدو انتصار النظام وحلفائه الإيرانيين في حلب انتصاراً للسيناريو الأول، خاصة أن المدينة من أهم معاقل المعارضة، لكن الإعلان غير المتوقع عن وقف إطلاق النار في الأحياء المحاصرة، والإعلان المفاجئ عن رغبة دولية في تسوية سياسية سريعة للحرب السورية قد فاجأ الإيرانيين والنظام السوري!

إيران ترى أنها من دفعت الثمن الأكبر في الحرب السورية، ورغم ذلك فإنها قد استبعدت تماماً عند توزيع الغنائم، وأنها خرجت من المولد بلا حمص!

فالإعلان الروسي التركي عن تسوية سياسية للحرب يبدو أن بُيّت بليل، بين موسكو وأنقرة بعيداً عن طهران، حتى قبل بدء معركة حلب، مما دفع إيران والميليشيات الموالية لها على الأرض إلى عرقلة وقف خروج المدنيين من حلب، والمطالبة بأي شيء، كخروج مصابي بلدتي "كفريا والفوعة" الشيعتَين المحاصرتين من المعارضة في المقابل!

2- متغيرات سياسية سريعة فور اجتياح حلب:

وفور سقوط حلب، حدثت متغيرات سريعة يمكن تشبيهها بالانقلابات السياسية، للتغطية على الفضيحة التي جرت في سوريا، والمتمثلة في مجازر لم ترتكب منذ عقود من ناحية، وللاستفادة من الوضع الجديد على الأرض من ناحية أخرى:

أ- أردوغان يعلن مبادرة تركية للتفاوض بين المعارضة وبشار، وهو تأكيد للموقف التركي الجديد الذي أعلن عنه بن علي يلدرم رئيس الوزراء التركي منذ أسبوع (7 ديسمبر/كانون الأول) في موسكو حين صرح لوكالة إنترفاكس الروسية بأنهم غير معنيين بمسألة بقاء الأسد من قريب أو بعيد!

ب- بوتين يعلن شخصياً تأييده لمبادرة أردوغان بعد سويعات.

جـ - ترامب يعلن أنه سيقيم ملاجئ آمنة للمدنيين السوريين (كانت أميركا معارضة للفكرة طيلة 5 سنوات).

د- واشنطن تقول إنها تدعم قراراً من مجلس الأمن لإرسال مراقبين دوليين إلى سوريا (هذا يعني عملياً وقف إطلاق النار بالكامل)، وأنها ستبحث في وسائل أخرى إذا تعرقل صدوره (يعني هتبعتهم بالعافية، أميركا بقى لما يبقى لها مزاج!)

هـ - المعارضة السورية تعلن استعدادها للتفاوض مع النظام السوري وفق بيان جنيف.

3- الفائز والخاسر في التسوية القادمة:

هناك تسوية قادمة إذاً للحرب السورية خرجت من الأدراج، وكانت تنتظر فقط سقوط حلب، وسيُعقد مؤتمر لحل الأزمة السورية في كازاخستان، رغم أني أشك أن كثيراً من المقاتلين على الأرض في سوريا يعلمون أين تقع كازاخستان، أو يهتمون بالسؤال عن ذلك، ولكن تم اختيارها فقط؛ لأنها حديقة خلفية لروسيا راعية المؤتمر!

روسيا تريد تسوية سريعة قبل أن تغير تركيا موقفها وتستأنف دعم المعارضة المسلحة، وتركيا تريد تسوية سريعة قبل أن تغير روسيا موقفها وتستأنف دعم الأكراد، وأميركا تريد تسوية سريعة قبل أن يغري سقوط حلب إيران وتسيطر على كافة الأراضي السورية.

أما إيران فترى في التسوية سرقة لانتصاراتها وتبديداً للأثمان التي دفعتها لسنوات، لقد وجدت إيران أن الانتصار العسكري في حلب لم يُوظف أو يُستثمر بالشكل الأمثل، ولم يُطور لانتصارات عسكرية مماثلة في إدلب وجسر الشغور، ولم يترجم لمكاسب سياسية تجعل عواصم العالم تطرق باب طهران بحثاً عن الحل السياسي! على العكس؛ وجدت إيران العالم أجمع يتحدث عن اتفاق روسي تركي، مع تصريحات شديدة اللهجة من أوباما شخصياً، الأخرس منذ سنوات، تحملها صراحة مع حزب الله مسؤولية عرقلة اتفاق وقف إطلاق النار وخروج المدنيين من حلب!

ولقد كان لدى إيران أمل كبير بالاحتفاظ بكافة الأراضي السورية تحت سيطرة النظام وتجنب سيناريو التقسيم، لكنهم لم يدركوا بعد أنهم مجرد خنجر طائفي لتقسيم الدول العربية السنية، ولن يسمح لهم الغرب أبداً بدور أكبر من ذلك!

أما تركيا فرغم أنها قد خسرت حلب (أو قايضتها بالأحرى في صفقة جيوسياسية في مقابل مدينة الباب الاستراتيجية في ريف حلب)، فإنها خرجت من هذه الحرب وقد ضمنت تقسيم سوريا على 2 وليس على 3، بضمانها عدم قيام دولة كردية.

كما رسخت تركيا مكانتها، بالشراكة مع روسيا، كمفتاح وحيد لحل الأزمة السورية، ومارست نوعاً من الاستقلال في علاقاتها الإقليمية والدولية بعيداً عن الغرب الذي لم تعد تثق فيه بعد الانقلاب الفاشل قيد أنملة، والذي أصر على دعم الأكراد حتى النهاية!

الخلاصة:

إيران تريد إخماد الثورة واستعادة كافة التراب السوري، والمعارضة تريد التحرير وإسقاط النظام، والغرب يريد التقسيم (كالعراق)، وتركيا وافقت مرغمة على التقسيم بعد ضمان عدم قيام دولة كردية، وروسيا لا تمانع ولكن بعد أخذ الثمن المناسب، والخليج يتابع، والسيسي تابع.

لقد انتصرت إيران "عسكرياً" في معركة حلب، لكنها بهذه التسوية التي تلوح تكون قد خسرت معركة سوريا، ولم تحقق "سياسياً" الذي كانت ترجوه فيها! بينما خسرت تركيا "عسكرياً" معركة حلب، أو تخلت عنها بالأحرى، لتحقيق انتصار "سياسي" أكبر من وجهة نظرها، بمنع قيام دولة كردية.

وبين هذا وذاك ضاع حلم الثورة السورية التي تنتصر على النظام وحلفائه، وتقيم دولة موحدة غير طائفية في سوريا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.