المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

الدلالات السياسية والاجتماعية لكأس الأمم الإفريقية!

تم النشر: تم التحديث:

"أما الحقيقة فهي فى المدن القذرة الكئيبة والآيلة للسقوط، يروح ويجيء فيها بشر جياع، يعانون من سوء التغذية، بأحذية بالية وثياب مهلهلة، ويقطنون بيوتاً متداعية تفوح منها روائح قذرة" - جورج أورويل - 1984.

***

مرَّت بطولة كأس الأمم الإفريقية هذا العام ليست كأي عام، ليس فقط لأسباب رياضية متعلقة بغياب مصر عن المشاركة في هذه البطولة في النسخ الثلاث الماضية طيلة ست سنوات، ولكن لأنها كشفت عن ظواهر جديدة، مجتمعية وسياسية، لم تكن موجودة قط في المجتمع المصري.

1- اقتناع الناس بتوظيف البطولة سياسياً:
العلاقة بين السياسة والرياضة قديمة، ومحاولة استغلال الحكام المستبدين للأحداث الرياضية لإلهاء الناس عن فساد الحكم أمر شائع منذ قدامى الرومان، الذين ابتدعوا مباريات القتال بين البشر والحيوانات، في الملعب الكبير "الآرينا"، وعرض ذلك الأمر بالتفصيل في الفيلم العالمي "المصارع" The Gladiator.

وفي العصر الحديث، استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب إفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية والغربية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات. (رقم 1 في المصادر)

وفي مصر، حاول النظام مراراً استغلال الأحداث الرياضية، مثل بطولة 2006 التي عقدت بالتزامن مع حادثة العبَّارة المؤلمة، وأدى التركيز على البطولة إلى التغطية على الحادث، وكذلك استغلال مباراة كرة القدم المؤدية للتأهل لكأس العالم عام 2010 للوقيعة بين الشعبين المصري والجزائري، ولتلميع النظامين المستبدين في مصر والجزائر، أو تمرير قرار بيع جزيرتي تيران وصنافير من الحكومة للبرلمان أثناء مباراة الأهلي والزمالك الأخيرة.

الجديد هذه المرة أن قطاعاً أوسع من المصريين فطن إلى محاولة استغلال نظام السيسي للبطولة للتغطية على الواقع الاقتصادي المزري، الذي جعل المصريين يفكرون في أول الشهر "موعد صرف الراتب" بعد مرور 11 يوماً من الشهر فقط.

2- فهم أعمق وأشمل لمفهوم "الوطنية":
وبناء عليه، رأى الكثيرون أن فوز المنتخب المصري سيؤدي إلى استغلال النظام للحادث سياسياً، ورغم أن هؤلاء لا يقلون حباً وانتماء عن غيرهم؛ بل ربما يزيدون، فإنهم تمنوا خسارة المنتخب؛ حتى لا يحقق نظام يسرق مصر ويظلم شعبها إنجازاً إعلامياً وسياسياً، يلهي به مزيداً من الناس، ويحقق به مزيداً من التلميع له ولانقلابه ولحكومته الفاشلة.

هذه الظاهرة جديدة على المصريين، الذين تعوَّدوا على التجمع طويلا أمام الشاشات لمشاهدة فريقهم الوطني، متمنين جميعا له الفوز، أغنياء وفقراء، كبارا وصغارا، لكن هذا تغيَّر الآن، وبدأنا نجد مَن يتمنى خسارة المنتخب ليفوز الوطن؛ لأن في خسارة المنتخب -من وجهة نظرهم- خسارة للحاكم المستبد، وهي ظاهرة تدل على وعي عميق لمفهوم الوطنية، ورفض جمعي لذلك المفهوم السطحي لمعنى "الوطنية" الذي يحبه ويريده المستبدون.

وهذا المفهوم السطحي هو ما تحدَّث عنه جورج أورويل في روايته الشهيرة، بأن "الولاء المطلق يعني انعدام التفكير، وعدم الوعي"، وأنه "ليس من المرغوب فيه (عند المستبدين) أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي؛ كل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حينما يستلزم الأمر". (رقم 2 في المصادر)

3- الرغبة في الفوز.. رغبة في الفرحة فقط!
ومن الظواهر الجديدة والخطيرة كذلك، أن انتشرت جملة تقول: "كنا نتمنى أن نفوز؛ لأن المصريين يريدون أن يفرحوا"، وهي جملة غير جيدة، تعبّر عن أن تمنّي فوز المنتخب لم يكن نابعاً عن وطنية حقيقية لدى هؤلاء، بقدر ما كانت البطولة بالنسبة إليهم "جرعة مخدرات" رياضية، تخفف من آلامهم، وتنسيهم من مشكلاتهم قليلاً، وتفريغ للطاقة والجهد، دون الخوض في مسائل لا يستطيعون حلها (المشكلات الاقتصادية) أو يخافون من عواقب الدخول فيها (الأزمة السياسية).

وهذه الظاهرة تشير لمرضين خطيرين يمكن أن نلاحظ انتشارهما بشدة في مصر مؤخراً، بعد الانقلاب العسكري:

1- مرض السلبية: الذي جعل كثيرين يهربون من مشكلاتهم الأساسية الضاغطة، بهذه المخدرات الكروية، بدلاً من التفكير في حلها، أو على الأقل في تحميل المتسببين الحقيقيين عنها المسؤولية.

فهؤلاء يعتقدون فيما بينهم أنهم قد أخطأوا بدعم الانقلاب العسكري، أو على الأقل في الاستبشار خيراً بالسيسي، وأن الدماء سيعقبها نماء، وهؤلاء لا يريدون أن يظهروا كمخطئين إلى هذه الدرجة، سذج إلى هذا الحد، ولا يملكون في الوقت نفسه الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ.

من ناحية أخرى، فإن عواقب تحميل السيسي مسؤولية ما هم فيه شديدة الكلفة من وجهة نظرهم، فهو ليس كالرئيس محمد مرسي الذي سمح لمعارضيه بالتظاهر أمام بيته؛ بل يهدد كل مَن يعارضه بالسجن أو القتل؛ حتى لو كان قاضياً بكوفية في مجلس الدولة، وهي كلفة تجعل الذهاب للمخدرات الكروية أهون بكثير من وجهة نظرهم.

2- المرض الثاني: هو المادية، فالفرحة عند هذا القطاع الواسع من المصريين لا تتحقق إلا بشكل مادي، الذي يتمثل هنا في البطولة الإفريقية، وهي فرحة مجانية، بدون خطورة تذكر قد تأتي من مواجهة أصل المشكلة (وهو السيسي) كما قلنا. هؤلاء يريدون أن يفرحوا ببلاش، دون بذل الجهد المطلوب منهم للفرح.

إن المجتمعات المستقرة نفسياً تجد السعادة في أشياء كثيرة، وتشعر بالفرح بأشياء أقل بكثير من حصولها على بطولة أممية، وإن بلداناً مثل نيوزيلندا وفنلندا وكندا وسنغافورة تشعر بالسعادة رغم أنها لم تحقق بطولة تذكر في تاريخها، إلا أنها شعوب تعمل بجد، وتجد من فرص العمل ما يكفل لهم حياة كريمة، آمنين على أنفسهم وأسرهم من الظلم وبطش الحاكم واستبداده، وهي أشياء أهم بكثير من كرة القدم.

ضمن تقرير نشره موقع Business insider، أواخر عام 2014، احتلت مصر المركز الخامس عالمياً في "مؤشر البؤس"، (رقم 3 في المصادر) وقد اندهشت من وجود مثل هذا المؤشر عالمياً؛ لأن القرآن قد أشار لعلاقة "البؤس" بالسكوت عن الظلم.

ففي قصة أصحاب السبت الشهيرة في سورة الأعرف، انقسم ناس من اليهود حول مسألة الصيد يوم السبت (حيث العمل فيه محرم)، ففيهم من أراد الصيد بنصب الشباك ليل الجمعة وجمعها يوم الأحد في محاولة للالتفاف حول النهي عن الصيد يوم السبت، وفريق ثانٍ رفض ذلك؛ لأنه رآه حراماً وأخذ ينهى القسم الأول عن ذلك خوفاً من عقاب الله، وقسم ثالث سكت، فلا هو قام بالصيد، ولم ينهَ المخالفين عما فعلوا، وقد جاء الحكم عليهم من الله -عز وجل- كالتالي، كما ذكر القرآن:

1- الرافضون للصيد يوم السبت: أنجاهم الله من العذاب؛ لأنهم قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "فلمَّا نسوا ما ذُكٍّروا به أنجينا الذين يَنهَون عن السوء" (سورة الأعراف: الآية 164).

2- الذين اصطادوا يوم السبت: نزل عليهم العذاب، ورغم أن هناك في القرآن أنواعاً شتى للعذاب، منها العذاب الشديد والأليم والمهين والعظيم، فإن العذاب المذكور هنا هو "العذاب البئيس"، "وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" (سورة الأعراف: الآية 164).

3- القسم الثالث: وهو الذي لم يقم بالصيد، ولم يقُم كذلك بالنهي عن الحرام، وهؤلاء لم يذكر الله -عز وجل- ما فعل بهم، واختلف العلماء، والراجح أنه قد شملهم العذاب؛ لأن الله -عز وجل- جعل النجاة فقط للذين ينهون عن السوء، وليس للذين لم يقوموا بالصيد.

الخلاصة:

الرياضة شيء مهم في حياة الشعوب، وتكون أكثر أهمية إذا استغلت لتعميق قيم التسامح والمنافسة الشريفة، أما إذا استغلت لتخدير الناس، وزيادة معدلات الإلهاء بدعاوى الولاء والانتماء، فإنها تكون أداة سيئة في يد الحكام المستبدين، وهذا ما فطن إليه كثير من المصريين.

ــــــــــــــــــــــ

1- تقرير للجزيرة عن استغلال الرياضة في السياسة:

2- بعض مقولات جورج أورويل:

3- مصر تحتل المرتبة الخامسة في مؤشر البؤس العالمي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.