المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

لحظة انقسام الغرب.. بين الغرب الأوسط والغرب الأقصى!

تم النشر: تم التحديث:

"لتكن بطيئاً في اختيار الأصدقاء، وأكثر بطئاً في تغييرهم!"
(بنجامين فرانكلين - أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية)

نحاول في هذا المقال رصد حالة الانقسام التي أصابت المعسكر الغربي مؤخراً، وقسمته إلى فريقين: (الغرب الأوسط)، و(الغرب الأقصى) ومحاولة إيجاد أهم نقاط الاختلاف بين المعسكرَين!

أظهر انتخاب ترامب بشكل جلي أن هناك تكتلين في المعسكر الغربي، وليس تكتلاً واحداً، لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي! هذان التكتلان مختلفان حول الكثير من الأمور، ولا سيما حول ما هو الأفضل لإسرائيل، وما هو الأفضل للغرب، وما هو الأفضل من أجل استقرار العالم.

فترامب ليس حدثاً عارضاً على الحضارة الغربية، أو ظاهرة استثنائية وضعتها الظروف في واجهة الأحداث، وعلى رأس أكبر دولة في المعسكر الغربي، وإنما هو ظاهرة تعبر عن أفكار راسخة، بقدر ما فيها من شرور، بقدر ما لها من أنصار وتابعين، في داخل الولايات المتحدة وخارجها!

التكتل الأول هو ما يمكننا أن نطلق عليه الغرب الأوسط (أوروبا بدون بريطانيا)، والتكتل الثاني هو ما يمكن أن نطلق عليه الغرب الأقصى (أميركا وبريطانيا)، ولكل تكتل من هذين التكتلين سماته التي تميزه!
وغني عن القول أن هذا التقسيم ليس نابعاً فقط من أساس جغرافي، بل يستند إلى المتغيرات السياسية والأيديولوجية التي أصابت الغرب مؤخراً، وقسمته إلى تكتلين، يحمل كل منهما مشروعاً خاصاً، وكل مشروع له أنصار في كل دولة غربية، يحاولون تغيير سياسات الدولة إليه!

أ‌- الغرب الأوسط (الاتحاد الأوروبي بدون بريطانيا): ومن أهم سمات هذا المعسكر:

1- الوحدة السياسية العابرة للحدود:

يسعى هذا التكتل نحو التوسع والاندماج، في مقابل التفكك والانكفاء الذي أصاب الاتحاد السوفييتي! وحقق هذا التكتل هذه الوحدة من خلال "معاهدة ماستريخت" المؤسسة للاتحاد الأوروبي (رقم 1 في المصادر) التي وقّعت في مدينة ماستريخت الهولندية في ديسمبر/كانون الأول 1991.

ونتج عن هذه المعاهدة إنشاء سياسة خارجية وأمنية مشتركة لدول الاتحاد، متجاوزة الحدود الجغرافية، والخلافات التاريخية بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس!

2- الوحدة الاقتصادية:

كانت النتيجة الأهم المترتبة على اتفاقية ماستريخت إنشاء اتحاد اقتصادي ونقدي بين الدول الأعضاء، أثمر العملة الأوروبية الموحدة الجديدة لدول القارة وهي اليورو.

الوحدة السياسية والاقتصادية مهددة الآن بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عبر الحملة التي طالبت بذلك Brexit، فبريطانيا أهم عاصمة سياسية في الاتحاد، صدرت تاريخياً مفاهيم الثورة للقارة، حتى قبل الثورة الفرنسية، وصمدت أمام محاولات هتلر إخضاع القارة الأوروبية كلها تحت حكمه، وقادت المعركة الاستخباراتية والأمنية في القرن الماضي ضد الاتحاد السوفييتي لفترة طويلة.

وبريطانيا هي الدولة البروتستانتية التي هرب إليها المضطهدون في فرنسا قديماً، وحولوها من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، وخروجها من الاتحاد يعني أن الاتحاد الأوروبي يعود اتحاداً كاثوليكياً بشكل رئيسي، مع بعض الدول الأرثوذوكسية التي تعاني (وأبرزها اليونان).

ويتوقع كثيرون أن خروج بريطانيا سيتبعه خروج أعضاء آخرين، كما صرَّح بذلك صراحة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بنفسه منذ أيام!

3- الوحدة الجغرافية:

من خلال اتفاقية شنغن للانتقال الحر بين الدول الأعضاء، وقد سميت هذه الاتفاقية نسبة إلى قرية صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من لوكسمبورغ، قرب نقطة التقاء حدودها مع ألمانيا وفرنسا، هي شنغن. (رقم 2 المصادر)

وبناء على هذه الاتفاقية، من يحصل على تأشيرة شنغن يحق له السفر بحرية بين جميع الدول الموقعة على الاتفاقية.

4- الوحدة العسكرية:

وحدث هذا مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، من خلال معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تم التوقيع عليها في واشنطن، 1949 ويوجد مقر قيادة الحلف في بروكسل عاصمة بلجيكا. (رقم 3 في المصادر)

لكن لم تكن الولايات المتحدة أقرب إلى روسيا أكثر مما هي عليه الآن، ولم تكن الولايات المتحدة أقرب إلى روسيا من حلفائها الأوروبيين والناتو في يوم من الأيام، ولم تكن الولايات المتحدة نفسها منقسمة بهذا الشكل منذ زمن بعيد!

5- الوحدة الأخلاقية (اتفاقية دبلن ومعاهدات جنيف):

ورغم أن حلف الناتو يعتبر أقوى حلف عسكري في التاريخ، فلطالما حاول هذا المعسكر إظهار بعد أخلاقي لتحركاته، كأساس لقوته العسكرية، وهذا من خلال معاهدات جنيف، وهي عبارة عن أربع اتفاقيات دولية تمت صياغة الأولى منها في 1864 وأخيرتها في 1949 وتتناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب. (رقم 4 في المصادر)

أوروبياً، كان من أهم الأسس الأخلاقية المؤسسة لعمل الاتحاد الأوروبي هي اتفاقية دبلن للاجئين، وهو نظام قانوني وضعه الاتحاد الأوروبي لتنسيق التعامل الموحد في قضايا اللجوء ببلدانه، وتحديد الدولة العضو المسؤولة عن دراسة طلبات اللاجئين، والإجراءات المنظمة للبت في هذه الطلبات وحقوق وواجبات كلا الطرفين.

أنشئ "نظام دبلن" الخاص باللاجئين بموجب "اتفاقية دبلن" التي أقرت يوم 15 يونيو/حزيران 1990، ووقعت عليها في العاصمة الأيرلندية دبلن 12 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، ودخلت حيز التنفيذ في 1 سبتمبر/أيلول 1997. (رقم 5 في المصادر)

6- ترميم صنم الديمقراطية:

وهذا المعسكر تاريخياً يرغب في التمسح في صنم الديمقراطية، والترويج له كدين جديد عابر للحدود، يتجاوز الخلافات الإثنية والمذهبية!

ورغم التحيز الواضح لهذا المعسكر للطغاة والمستبدين في العالم، ودعمهم المطلق لكيان الاحتلال الصهيوني، فإنهم يفرقون بين الرغبة في السيطرة على الدول الإسلامية الشرق أوسطية، وبين تعاملهم مع المسلمين المواطنين في دول القارة الأوروبية.

فهؤلاء يرون أن لا بد من سيادة القانون على الجميع ودمج الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية، مع السعي الحثيث نحو علمنتهم؛ لأن هذا أحد أهم عوامل استقرار هذه الدول؛ لذلك فإننا نقول إن هذه الدول تصر على رفع شعارات الحريات وحقوق الإنسان للجميع، رغم ما ارتكبته من جرائم!

7- حل الدولتين كأساس للصراع العربي الإسرائيلي!

هذا المعسكر يدرك أن اتفاقيات سلام مثل كامب ديفيد أكثر أهمية لإسرائيل من حرب 48 التي أسستها، أو حرب 67 التي مددتها، وهذه نظرة شديدة العقلانية، وشديدة الخبث أيضاً، تنهي الصراع من جذوره، وتقطع الطريق على أنصار تحرير الأرض كاملة من البحر إلى النهر (مشروع المقاومة)، وتحشرهم في الزاوية.

لذلك يقف رئيس مثل أوباما (الذي وصفه البعض بأنه الأكثر تأييداً لإسرائيل منذ هاري ترومان) ضد نقل السفارة الأميركية للقدس، ويسمح بتمرير قرار ضد الاستيطان في مجلس الأمن قبيل مغادرته، ويستعجل مؤتمر باريس للتأكيد على هذه المبادئ، ويصرح وزير الخارجية الفرنسي في المؤتمر بأن نقل السفارة للقدس أعظم هدية للمتطرفين (مشروع المقاومة).

ب‌- الغرب الأقصى (أميركا وبريطانيا):

وأهم سمات هذا المعسكر أنه على العكس تماماً من الغرب الأوسط، ويعمل على:

1- التفكك السياسي:

المهدد بخروج بريطانيا كما أشرنا، وما تبعه من دعوات في دول أخرى للخروج المماثل، بل وصل الأمر في أميركا إلى دعوات لخروج كاليفورنيا من الاتحاد الأميركي Calexit على غرار الـ Brexit.

2- التفكك الاقتصادي:

المتأثر بالضرورة بخروج بريطانيا من الاتحاد، والدعوات لخروج آخرين، أما في أميركا فأول قرار وقَّع عليه ترامب كان الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ Trans-Pacific Partnership التي هدف منها أوباما لمحاصرة روسيا والصين، وكذلك وعد ترامب بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية "نافتا" NAFTA) - North American Free Trade Agreement).

3- سياسة الحدود المغلقة:

نتيجة لأزمة اللاجئين عموماً، والسوريين بشكل عام، فالقارة الأوروبية لديها مخاوف أمنية واقتصادية ودينية من ملايين اللاجئين الذين يصلون إليها، ويرغب هذا الفريق في إغلاق الحدود، مما يعني عملياً إلغاء العمل باتفاقية شنغن، أي أن الاتحاد الأوروبي لن يصبح اتحاداً!

في أميركا؛ عبَّر ترامب عن رغبته في إقامة سور على الحدود مع المكسيك، على نفقة الحكومة المكسيكية، وهذه سياسة جديدة تعبر عن التوجه الجديد للغرب الأقصى.

4- التفكك العسكري:

من خلال التقليل من أهمية حلف الناتو، الذي وصفه ترامب بأنه حلف عفا عليه الزمن، بعكس أوباما الذي حرص رغم سلبيته في العديد من المواقف على نشر لواء مدرعات في بولندا (عاصمة حلف وارسو العدو السابق لحلف الناتو) في الأيام القليلة التي سبقت تركه منصبه، في إشارة واضحة للفارق في السياسة التي كانت تسير عليها أميركا سابقاً، والسياسة الحالية لترامب.

5- التبرؤ من أي التزام أخلاقي:

بالنظر إلى كل شيء بمنطق الحساب والخسارة، وهو شيء لم تفعله أميركا في تاريخها، فالولايات المتحدة، وخاصة في زمن الحرب الباردة، كانت تعلم الأهمية الاستراتيجية لتحالفها مع اليابان وكوريا الجنوبية، ثم دول الخليج! الآن ترامب يقول لهم دافعوا عن أنفسكم أو ادفعوا لنا، في تحلل تام من أي التزام أخلاقي تجاه هذه الدول التي توصف أميركا بأنها حليفة استراتيجية معها!

6- هدم صنم الديمقراطية:

أنصار هذا المعسكر يجاهرون بأفكار متطرفة عنصرية، تعادي الفكرة الديمقراطية التي روج لها الغرب طيلة عقود، ويرى هذا المعسكر أنه لا يجب التفرقة بين الدول الإسلامية التي يسعى الغرب للسيطرة عليها، وبين المسلمين المتواجدين على أراضي هذه الدول، والذين ينظر إليهم كتهديد محتمل!

وقد ظهر هذا جلياً في الغرب بصعود اليمين المتطرف، وبحادثة تجريد سيدة من ملابسها على شواطئ فرنسا الصيف الماضي، ومن صعود ترامب الذي يزدري الأقليات ولا سيما المسلمين، وطالب بتهجيرهم من أميركا فوراً.

7- تأييد الاستيطان في فلسطين:

وهذا المعسكر لديه رؤية مختلفة للصراع العربي الإسرائيلي، ويؤيد الاستيطان في الأراضي المحتلة، بما ينسف حل الدولتين؛ لذا فلا عجب أن يكون هذا المعسكر على علاقة طيبة بنتنياهو والأحزاب الدينية التي تتحرك وفق رؤية توراتية في إسرائيل.

هذه كانت أبرز نقاط الخلاف بين معسكر الغرب الأوسط، ومعسكر الغرب الأقصى، وقد كانت المظاهرات ضد ترامب، في أول يوم له، في داخل الولايات المتحدة وخارجها، رسالة شديدة الوضوح بأن انتخاب ترامب يعبر عن انقسام في المعسكر الغربي ككل، وليس في الولايات المتحدة فقط! فما سيناريوهات هذا الخلاف؟

1- انتصار الغرب الأقصى:

بأن يستمر صعود اليمين المتطرف في دول القارة الأوروبية، ومن ثم تخرج الدول الأوروبية واحدة تلو الأخرى من الاتحاد.

2- انتصار الغرب الأوسط:

هذا الأمر يحتاج إلى معجزة، بل ثلاث معجزات:

أ‌- أن يخسر اليمين الانتخابات في أوروبا، وهذا صعب، وحتى وإن خسرها هذه المرة فمن المرجح أنه سيكسبها مستقبلاً!
ب- ألا تخرج بريطانيا من الاتحاد بقرار من المحكمة العليا، وهذا أمر شديد الصعوبة، ينافي فكرة حرية الناس في الاختيار التي يقوم عليها فكر الغرب الأوسط.

جـ - ألا يتم التجديد لترامب، وأن تمر سنوات حكمه بسلام، وهذا ما لا يبدو أنه سيتحقق.

3- التمزع بين المشروعين:

ومن المرجح أن هذا سيحدث لفترة، فقبل أن تحسم القارة أمرها، إما بالتوجه نحو الوحدة مجدداً، أو انفراط عقدهم إلى دويلات!

الغريب أن بريطانيا التي غزت العراق منذ ما يقارب 15 عاماً تواجه شبح التقسيم، برغبة اسكتلندا (الوجه البحري لبريطانيا) في الاستقلال، وأن أميركا التي أرادت تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، تنفذ الآن مشروع الغرب الأوسط الجديد، فهل هي سحابة عابرة ويعود الغرب موحداً كما كان، أم أنها بداية النهاية؟

مصادر:

1- "معاهدة ماستريخت" المؤسسة للاتحاد الأوروبي

2- اتفاقية شنغن للانتقال الحر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي

3- معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو):

4- معاهدات جنيف لحماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب:

5- اتفاقية دبلن الخاصة باللاجئين:

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.