المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

"إحراق المراحل".. أهم إنجازات الثورة المصرية!

تم النشر: تم التحديث:

كما يرى كثير من الباحثين فإن أهم أسباب قيام الثورات هو الشعور بالظلم وليس الظلم في حد ذاته! لقد نجحت الثورة المصرية في إكساب السيسي قدراً من السخط وعدداً من الفضائح في سنة واحدة، احتاج مبارك ثلاثين عاماً حتى يحظى بمثلها! وهذا ما مكن مبارك الفاسد من الحكم 30 عاماً بذكاء، بينما انقلاب السيسي مهدد بالعمر القصير!

***

أصبح المصريون يعرفون عن السيسي وفضائحه وفضائح نظامه وفضائح المؤسسة التي قدم منها أكثر ما كانوا يعرفونه عن مبارك في 30 عاماً!

مبارك بكل سلطويته واستبداده وتحالفه مع إسرائيل كان حريصاً كل الحرص على البقاء بذكاء فوق كل الخلافات وأعلى من كل الفضائح، وينأى بشخصه عن السجالات التي تنشأ بين أركان نظامه، أو بين الحكومة والمعارضة.

فغالباً كان الفساد في عهد مبارك يسير وفق قواعد محددة وأطر حاكمة للجميع، بدءاً من تقسيم المعونة الأميركية (1.3 مليار دولار سنوياً) وانتهاء بتأشيرات الحج التي يتاجر فيها نواب الوطني!

وهذا الذكاء الشيطاني الذي كان يزين لمبارك أفعاله جعله لا يتردد في التضحية بأي شخص من أركان نظامه إذا فاحت رائحة فساده، حتى يثبت للعوام أنه غير فاسد، وهو من أكبر الرؤساء الذين نهبوا ثروات البلاد!

ومبارك رغم كل استبداده كان حريصاً على أن يحظى بديكور ديمقراطي، وعلى وجود برلمان تزينه معارضة مستأنسة، لا يعكر صفو تزويره وصناعته في مطابخ أمن الدولة إلا محاولات الإخوان المشاكسين، الذين يصرون على المشاركة في الحياة السياسية، فيضطر النظام للتزوير في عدد من الدوائر المشاركين فيها، وبلغ الأمر ذروته في انتخابات 2010! لم يفهم الكثيرون موقف الإخوان المصرين على المشاركة في المرحلة الأولى وقتها، حتى اضطر النظام إلى التدخل والتزوير بهذا الشكل الفج، والذي كان أحد أهم أسباب انتفاضة 25 يناير بعدها بسبعين يوما.

ومبارك رغم دمويته وغلظة قلبه كان مقلاً جداً في استخدام الاغتيالات السياسية مقارنة بالسيسي، فلا أحد يذكر أن مبارك قد استخدم استراتيجية التوتر، واغتيال أحد الرموز العامة لإلصاقها بالخصوم، إلا مرة واحدة فقط خلال 30 عاماً، وهي واقعة اغتيال رفعت المحجوب رئيس البرلمان الأسبق في 12 أكتوبر 1990.

ومبارك رغم تحالفه مع إسرائيل، وإعلان ليفني الحرب على قطاع غزة من القاهرة، لم يعلن حركة حماس جماعة إرهابية، وأبقى خطوط الاتصال معها مفتوحة، رغم حصاره المشدد لها منذ 2007.

ورغم أن وزير إعلام مبارك كان قواداً، إلا أن مبارك طرح نفسه دائماً حريصاً على الدين! وعندما وجه وزير ثقافة في الحكومة انتقاداً لفريضة الحجاب، كان نواب الوطني في البرلمان أول من ركب الموجة وهاجموا الوزير بقسوة ونفاق حتى اضطروه للتراجع! ولم يعرف عن مبارك العلماني- الذي لا يعتقد حتى أنه كان يصلي- أن تم في عهده منع الشيخ جبريل من الدعاء على الظالمين في مسجد عمرو بن العاص وقد كان يفعلها كل عام، أو التضييق على الاعتكاف بهذه الفجاجة التي حدثت في رمضان هذا العام! أو الهجوم على صميم العقيدة وصحيح الدين بإنكار عذاب الكافرين يوم القيامة، والإدعاء بعدم خروج الملحدين من الإسلام، و من رفض لعذاب القبر، ومن الدعوة لممارسة علاقات خارج نطاق الزواج، والتقدم بطلب لإنشاء حزب للملحدين، والدعوة لمليونية خلع الحجاب في ميدان التحرير، ومهاجمة كتب السنة الصحيحة وعلى رأسها صحيح البخاري، والتهكم من شعيرة الأضحية وفريضة الحج... إلخ.

أفعال مبارك لا يجب أن تدفع البعض إلى حسن الظن فيه مطلقاً، فهو كنز إسرائيل الاستراتيجي كما صرح بذلك قادة إسرائيل أنفسهم، وهو علماني كاره للدين! كل ما هنالك أنه كان ملماً بطبيعة المجتمع، حريصاً على التوازن، وعلى أن يبقى البلد الذي يحكمه مستقراً، بدون انفجارات اقتصادية، أو انعدام في الحياة السياسية!

***

وفي خضم هذا المستنقع الوحل الذي كانت تعيش فيه مصر طيلة ثلاثين عاماً من حكم مبارك؛ كان الجيش- الحاكم الفعلي لمصر منذ 1954- يقف بعيداً يراقب المشهد من وراء ستار، محافظاً على نفوذه الاقتصادي، لكنه يرى البساط السياسي يسحب من تحت أقدامه لصالح كفة أمن الدولة التي بدأت ترجح مع تصاعد نفوذ جمال مبارك وأحمد عز وحبيب العادلي.

وحتى ذلك الوقت كان الجيش- رغم فساده وخيانة وتواطؤ قادته، وبسبب ابتعاده عن المشهد- يحظى باحترام في نفوس الكثيرين ممن لا يرون بقية المشهد، بما فيهم قطاع من الإخوان. كانت الصورة الذهنية التي رسمها إعلام المخابرات الحربية عند المصريين تستدعي دائما صورة العبور يوم 6 أكتوبر، وأعمال فنية كرأفت الهجان وجمعة الشوان وبئر الخيانة وإعدام ميت والرصاصة لا تزال في جيبي! بينما كان يتم تجاهل- عمداً- زيارة السادات للقدس واتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل والقفز عليها، وكأن الجيش في مصر ليس حارساً لأمن إسرائيل سعيداً بهذه الاتفاقية، يرى المقاومة إرهابا، كما تبين للجميع لاحقا!

لو سألت أيام مبارك أي فرد معارض للنظام أو مهتم بالعمل العام عن أقصى أمانيه، لقال لك حدوث انتخابات جديدة، أو تنحي مبارك، أو حتى إقالة حبيب العادلي! لم يكن يدور في بال الكثيرين أن الفساد وصل إلى القاع في القضاء والإعلام والصحافة والجيش والشرطة وقطاع عريض من المجتمع بشكل لا يمثل معه تنحي مبارك أي قيمة دون تطهير هذه المؤسسات أو حتى حلها وإعادة بنائها من جديد!

***

الإنجاز الأهم والأعظم الذي حققته الثورة هو أنها كشفت العدو الحقيقي في مصر، ولم تجعلنا نخوض معارك وهمية أو ثانوية أو عديمة الجدوى! الثورة جعلتنا نسقط أصنام القضاء الشامخ والريادة الإعلامية والتغيير السياسي للنظام!

وبفضل جيل متمسك بالثورة وقيمة الحرية، ومتسلح بوسائل تواصل اجتماعي تكسر احتكار النظام للمعلومة، صار السيسي مسؤولاً عن كل فضيحة جنسية أو مالية أو اقتصادية أو أمنية، ولم يعد ممكناً إلصاقها بوزير هنا أو رئيس وزراء هناك، لأن شرعيته نفسها مطعون فيها.

وهذه الفضائح تجعل السيسي وحده مسؤولا عنها في عيون الكثيرين، وتمثل عبئاً كبيراً عليه- حتى لو كانت فضيحة جنسية لقاض في مدينة نصر وابن عضو في المجلس العسكري، أو مقتل 40 شخصاً في النيل دون أن ينجدهم أحد- وهذه الفضائح لا تسعفه على طرح نفسه قائداً ملهماً وحاكماً منقذاً وطبيباً لكل الفلاسفة!

إنجاز الثورة الأكبر أنها حرمت الانقلاب من إعادة تأهيل نفسه، واكتساب شرعية حقيقية، حتى تظل لعنة الانقلاب على الرئيس المنتخب والدماء التي أراقها تحوم حوله أينما ذهب، فتحاصره في أميركا، وتفضحه في ألمانيا، وتمنعه من أن تطأ أقدامه أرض جنوب أفريقيا، ويبذل الجهود المضنية طيلة عامين لترميم شرعيته الدموية اللقيطة!

نستطيع أن نقول أن الثورة أحرقت المراحل، واختزلت ثلاثين عاماً أخرى، حتى وصل الغضب في ظل عام للسيسي أكبر من غضب الناس من مبارك في ثلاثين عاماً!