المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

بين بوتين وراسبوتين.. هل عادت روسيا لتنتقم؟

تم النشر: تم التحديث:

"إذا قتلني أقاربك فلن يبقى أي فرد من عائلتك حياً لأكثر من عامين، فسوف يقتلهم الشعب الروسي. سأُقتل، لم يعد لي وجود في هذه الحياة. صلّ أرجوك، وكن قوياً، وفكر في عائلتك المصونة".
(من رسالة راسبوتين لقيصر روسيا - ديسمبر/كانون الأول 1916).

منذ مائة عام، وأثناء انخراط روسيا في الحرب العالمية الأولى، سيطر على حكم روسيا راهب فاسق يدعى جريجوري راسبوتين (راسبوتين تعني الفاجر بالروسية)، استغل راسبوتين قدرته على شفاء الأمير الصغير ولد القيصر من مرض سيولة الدم (الهيموفيليا)، الذي كان يهدده بالنزف حتى الموت، وحاز ثقة القيصر والملكة ألكسندرا، التي قربته منها وصارت تستشيره في كل شيء تقريباً، حتى صار راسبوتين هو الحاكم الفعلي لروسيا، رغم أنه ليس من عائلة رومانوف القيصرية.

وبعد هزيمة الجيش الروسي أمام الألمان في الحرب العالمية الأولى، واجتياح وارسو عاصمة بولندا، قام القيصر بتنحية عمه (نيقولا الأكبر) من قيادة الجيش، وتولى بنفسه قيادة المعارك وتوجه إلى الخطوط الأمامية وترك السلطة بيد الإمبراطورة، ومن ثم راسبوتين.

كان راسبوتين معارضاً للحرب، ويرى أن فيها هزيمة روسيا عسكرياً، واستنزافها اقتصادياً، بعكس ضغوط داخلية بعضها من رجال دين أرثوذوكس، راغبين في حرب الخلافة العثمانية الإسلامية في البلقان!

في صيف سنة 1914م، كتب راسبوتين رسالة إلى القيصر يحذره فيها من الانخراط في الحرب، جاء فيها:
"مرة أخرى أقول: هناك غمامة عاصفة مريعة تسري في سماء روسيا، أرى كارثة، ظلاماً، حزناً، ولا ضياء! إنه بحر من الدموع والدماء، جميعهم يريدون منك الاندفاع نحو الحرب، لكنهم لا يعلمون أن الدمار ينتظر، لا تدع المجانين ينتصرون ويدمرونك ويدمرون شعبك! وإذا هزمنا ألمانيا، ماذا سيحدث لروسيا؟ سنغرق جميعاً في الدماء، والكارثة ستكون كبيرة".

لم تتحمل العائلة المالكة أن يسيطر عليها هذا الراهب الفاجر، بعد أن سلب السلطة من أيديهم، وأساء كثيراً لسمعتها، فلقد شوهد راسبوتين كثيراً خارج حدود البلاط يحيا حياة السُّكْر والعربدة، وغالباً ما يكون بصحبة العاهرات، كما ازداد عدد النساء اللواتي كن يذهبن إليه "لممارسة الرذيلة" معه من أجل التطهر من آثامهن!

وحين علم مسؤولون سياسيون كبار بهذه الشائعات كلفوا شرطة سرية بتعقبه، حتى انتهى الأمر باستدراجه إلى أحد القصور بحجة أن إحدى الأميرات تريد أن تلتقي به، وقام أحد الأمراء بالفعل بدعوة راسبوتين إلى قصره كي يتعرّف على زوجته الأميرة إيرينا، التي قيل كلام كثير عن جمالها، حتى قيل إنها كانت أجمل سيدة في سان بطرسبورغ وقتها.

لم يتمالك راسبوتين نفسه، وذهب على أحر من الجمر، ممنياً نفسه بلقاء الأميرة، وهناك حاولوا اغتياله بالسم الموضوع في الكعك والخمر المقدم له، فلم ينجح الأمر، مما اضطرهم لإطلاق الرصاص عليه.

ورغم أن كلاماً كثيراً قيل حول سبب وفاته، وعن أن كثرة معاقرته الخمر قد أبطل مفعول السيانيد، مما اضطر قاتليه إلى إطلاق الرصاص عليه وإلقاء جثته في النهر المتجمد، فإن شكوكاً كثيرة حامت حول الأمر، مع اتهامات للمخابرات البريطانية باغتيال الرجل القوي، بعد أن حثّ القيصر على بدء مفاوضات فردية مع الألمان لانسحاب الجيش الروسي مقابل السلام، مما يعرض بريطانيا لخسارة حليف مهم "روسيا" في هذه الحرب؛ لذلك قامت المخابرات بقتله.

وقد أثبتت صور التقطت للجثة بعد إخراجها من الماء، وظهرت بعد 80 عاماً من الحادثة، أن الطلقة المستخدمة في القتل جاءت من مسدس بريطاني الصنع؛ لأنها تحتوي على رأس معدني كان يعتبر محرماً استخدامه في روسيا في ذلك الوقت وبتوافق مع نوع من المسدسات البريطانية الصنع.

ويا لَلعجب، فبعد 100 عام، تدعي صحيفة "ديلي ستار" البريطانية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قتل في عام 2014، على يد وكالة المخابرات المركزية البريطانية MI6، في أروقة الكرملين، بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، وتم استبداله بهدوء في انقلاب سري في عام 2015 عندما اختفى في ظروف غامضة ولم يظهر علناً لمدة 10 أيام بين 5 مارس/آذار و15 مارس.

وأصحاب هذه النظرية، بحسب الصحيفة، يستدلون بوجود تغييرات جذرية في مظهر بوتين، وتراجع ملحوظ في قدرته على تحدّث الألمانية، وطلاقه من زوجته في نفس العام.

على كل؛ فإن هذا يقودنا للحديث عن الصراع الروسي الغربي، وهو الصراع الأبرز في القرن الماضي، ويذكرنا بأن بريطانيا كانت القائد الحقيقي للمعسكر الغربي - في هذه المعركة - حتى مع تراجع قوتها العسكرية ونفوذها لصالح الأميركان.

وإذا كان المعسكر السوفييتي قد سقط في نهاية القرن الماضي، فلأن الفكرة التي قام عليها هذا المعسكر في بداية هذا القرن قد سقطت في عيون أنصاره.

وحين سُئل الدكتور عبد الوهاب المسيري عن إمكانية نجاح الانقلاب العسكري الذي حدث ضد غورباتشوف منعاً لانهيار الاتحاد السوفييتي؛ أجاب بأنه انقلاب سيفشل في غضون أيام؛ لأن العسكري دخل الدبابة الروسية الصنع صار يفكر في الهامبورغر الأميركي، وفتيات البلاي بوي، وبالفعل، فشل الانقلاب في غضون أيام، وتفكك الاتحاد، ولم تنشر تصريحات المسيري رحمه الله (رقم 2 في المصادر).

المعركة إذاً أن تسقط الحضارة في عيون أنصارها، لا أن تسقط أمام خصومها، وبهذا المعنى، ألا يمكننا أن نقول إن المعسكر الغربي سقط في عيون أنصاره؛ لأن أفكاره التي قام عليها سقطت في عيونهم؟

لقد رفع الغرب شعارات الحرية والديمقراطية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، ثم رأينا هذه الشعارات تتحطم العام الماضي على يد الشرطة الفرنسية التي تجبر سيدة تحترم نفسها على التعري على شواطئ فرنسا، وعلى يد صندوق الانتخاب البريطاني الذي أخرج لندن من الاتحاد الأوروبي، وفي تصريحات دونالد ترامب الرافضة للاجئين، المعادية للمسلمين، الراغبة في طردهم، حتى لو كانت فتاة حضرت مؤتمراً انتخابياً مؤيدة له؛ لأنها محجبة.

إذا كان الاتحاد السوفييتي قد سقط بين ليلة وضحاها، فلقد كانت عوامل سقوطه تنخر فيه كالسرطان بلا أعراض مرضية واضحة، وهو يئن في صمت تحت أعباء نفقاته على دول الاتحاد الضعيفة المعتمدة عليه، حتى حدثت المفاجأة.

لكن الغرب يعاني من فوبيا تجعل أنصاره يهاجمون أفكاره، فاختل كما تختل مناعة الجسم وتهاجمه بدلاً من العدو، بشكل يجعل الولايات الغنية، التي يستفيد منها الاتحاد الأميركي، راغبة في الانفصال، كما رأينا المطالبات بذلك في ولاية كاليفورنيا الغنية.

وكيف يكون الحال إذا ثبتت صحة الاتهامات الأميركية الرسمية لروسيا بالتدخل في مسار الانتخابات لصالح ترامب؟ هل تكون روسيا قد انتقمت من الغرب الذي فكك اتحادها السوفييتي على يد غورباتشوف، بالزج بترامب إلى منصب الرئاسة ليقوم بنفس الدور؟

وقد نتج عن هذا ارتفاع درجة حرارة المواجهات بين اليمين المتطرف والأحزاب التقليدية في كل دول الغرب تقريباً، وأثمرت هذه الحمى بتر عضو مهم في الاتحاد الأوروبي عن جسد المعسكر الغربي (بريطانيا)، مع مطالبات لأعضاء آخرين بالانفصال، فهل يسير الغرب نحو تفكك متدرج في مقابل تفكك الاتحاد السوفييتي السريع والمفاجئ؟ أم أن الغرب دولة مؤسسات مقابل حكم فردي في روسيا، يمكن أن ينتهي بالتخلص من بوتين كما سقط حكم القياصرة بالتخلص من راسبوتين؟

ملحوظة: بعد مقتل راسبوتين بأقل من عامين قُتل جميع أفراد عائلة رومانوف القيصرية على يد الشعب الروسي بعد قيام الثورة البلشفية، كما توقع راسبوتين.

مصادر:
1- راسبوتين (ويكيبيديا)

2- دورة منهجية التعامل مع الفكر الغربي أ.د. عبد الوهاب المسيري - عام 1994 ج2 (يوتيوب)

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.