المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

دروس بين رابعة وحلب

تم النشر: تم التحديث:

حين تتجه أعينكم إلى حلب تذكّروا أن المعركة لم تكن قط شأناً سياسياً مصرياً أو سورياً أو تونسياً أو ليبياً أو يمنياً، الأمر أكبر من ذلك بكثير.

هناك تحالف غربي من جهة، مقابل تحالف روسي إيراني من جهة، والجسر الذي يربط بين المشروعَين هي إسرائيل.

حين تقرر أن تناضل ضد هذه الأنظمة إياك أن تختزل المعركة في ديكور ديمقراطي يُغير الوجوه فقط، كما فعلت ثورة تونس التي وصفها المنصف المرزوقي بأن ديمقراطيتها مغشوشة وثورتها مهددة، فهذا انقلاب ناعم إياك أن تعطي له الشرعية.

وحين تقرر الصمود والثبات ورفض شرعنة الأنظمة العميلة، إياك أيضاً أن يتطور نضالك ضد هذه الأنظمة إلى الحرب المسلحة وعسكرة الثورة! فهذه نقطة قوة الأنظمة، والشيء الوحيد الذي تجيده، ومن الغباء مواجهة خصمك في نقاط قوته؛ بل يجب مواجهته في نقاط ضعفه.

تذكَّر جيداً ألا أحد في هذا العالم سيسمح بسقوط نظام عسكري قريب من إسرائيل بالقوة العسكرية المسلحة، وسيتناسى الحلفان السابقان جميع خلافاتهما، وسيكون مجلس الأمن مكبلاً بالفيتو، وستكون الأمم المتحدة صماء بكماء عمياء إلا من بعض التصريحات الهزيلة البائسة.

تذكَّر أن مَن دعم الثوار في البداية لأسباب مصالحية بحتة تخلّوا عنهم الآن وتركوهم يسقطون رغم أن حلب لم تحتَج إلا إلى 100 صاروخ مضاد للطائرات!

الخيار الأفضل في مواجهة كل هذا هو الحفاظ على ثورتك من العلمنة ومن الدعشنة، فلا تنازل عن منظومتك القيمية والفكرية والأيديولوجية، ولا انجرار نحو عسكرة الثورة مهما كانت الضغوط.

السلمية التي يسخر منها البعض هي التي منعت الإسكندرية أن تكون مثل حلب، والقاهرة من أن تكون مثل دمشق، وكم كان السيسي يتمنى أن تتجه الأمور إلى هذا النحو، ويُسكت جميع الأصوات المعترضة على ارتفاع الأسعار وسعر الدولار ومشكلات السكر والبنزين ولبن الأطفال وصفقات الدجاج... إلخ.

السلمية ليست ضعفاً أو ارتعاشاً، وإنما خيار استراتيجي في هذه المرحلة، وهي وصية الرئيس مرسي في خطابه الأخير حين قال: "لا عنف بينكم وبين بعض ولا عنف بينكم وبين الجيش"، وهي وصية المرشد العام في خطابه الأشهر فوق منصة رابعة: "سلميتنا أقوى من الرصاص".

لقد كانت نقطة قوة السيسي الرئيسية القطاعات العريضة من الشعب غير المسيسة التي آمنت أن مصر تحتاج إلى رئيس عسكري، وأنهم على استعداد للكفر بالحرية من أجل الأمان والاقتصاد والرخاء والاستقرار، وها هي هذه الأساطير تتكسر على صخور الواقع الأليم في ثلاث سنوات فقط.

أما انجرار الثورة إلى حرب، فسيغطي فوراً على كل هذه المشكلات، وسيكون السيسي في أفضل أوضاعه حتى لو مات مئات الآلاف ونزح ملايين اللاجئين (تذكَّر كلامه في البرتغال).

وحين تغريك هذه الجهة أو تلك بثورة مسلحة، عليك أن تتساءل: لِمَ تسلحك هذه الجهة؟ وبكم؟ وهل تضمن ألا تتخلى عنك في وسط الطريق، كما تخلت السعودية وقطر وتركيا عن حلب؟

ولأن سلمية الإخوان تحرج السيسي، فتراه يخترع إرهاباً طالما لا يوجد إرهاب، وكثير من العمليات التي تحدث اتجهت أصابع الاتهام فيها إليه وإلى نظامه، وخاصة عندما تأتي مفضوحة.

يتساءل الجميع الآن كيف وضع نصف طن متفجرات بجوار سور الكلية الحربية في حادثة اغتيال النائب العام؟ وكيف مات الرجل إذا كان قد خرج من التفجير واقفاً على قدميه وسار حتى المستشفى؟ وكيف علم منفذو عملية الهرم بمكان تمركز الكمين وتوقيته قبل تمركزه؟ وكيف استطاع مجهولون تنفيذ عملية تصفية بهذه السهولة وهذه الاحترافية للعميد عادل رجائي؟ وأخيراً وليس آخراً كيف تمكن مفجِّر الكنيسة البطرسية من إدخال قنبلة إليها؟ ولماذا لم يفجر الكاتدرائية نفسها طالما وصل إلى قلب المكان؟

نحن نواجه خصماً أقوى منا، لكننا نعتصم بحق ننتمي إليه وندافع عنه، لا نفرط فيه فنخضع لمحاولات النظام أن يحتوينا، ولا نحول النضال لحرب مسلحة فنعطي للنظام فرصة أن ينتصر علينا باندفاعنا وتهورنا.

فاصبروا وصابروا ورابطوا.. واتركوه يفشل، واتركوا الناس تغضب عليه، وتتمنى سقوطه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.