المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

الموصل.. آخر عقبة سُنية في وجه الحزام الشيعي

تم النشر: تم التحديث:

"معركة الفلوجة ليست معركة العراقيين فقط، بل معركة كل دول الخليج العربي".

مثنى حارث الضاري - الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق - يونيو/حزيران 2016.

***

لا يجب النظر إلى معركة الموصل، أكبر مدينة سُنية في العراق، بمعزل عما جرى لمدن سنية أخرى في العراق خلال العامين الماضيين (الفلوجة والرمادي)، ولا بمعزل كذلك عما يجري لمدن سُنية أخرى في الجارة سوريا (حلب)، فما يجري جزء من مخطط إيراني صفوي لإزالة الكتل السنية أمام السيل الجارف القادم من طهران وبغداد في الشرق نحو دمشق وبيروت في الغرب.

1 - سُنة العراق.. ظلم لا يتوقف

وعند الحديث عن سُنة العراق يجب الأخذ في الاعتبار ثلاث نقاط مهمة:

1 - أن السُّنة هم الفصيل الأكثر تمسكاً بوحدة العراق ومركزيته، والأكثر رفضاً لمشاريع الفيدرالية والتقسيم، ويبدو أنهم يعاقبون على ذلك.

عومل أهل السُّنة بعد احتلال العراق معاملة بالغة السوء، دفعتهم إلى اعتصام الأنبار الشهير الذي فضه نوري المالكي بالقوة المسلحة في عام 2013.

2- أن السُّنة هم الفصيل الوحيد الذي قاتل المحتل الأميركي بصورة حقيقية عقب سقوط بغداد، وجثث الجنود الأميركان وجنود شركة بلاك ووتر المعلقة على جسور الفرات بعد معارك الفلوجة تشهد على ذلك.

3- أن صدام حسين كان ينتمي إلى السنة (رغم أنه أسس نظاماً علمانياً، وانتماؤه للطائفة السنية يشبه انتماء بشار للطائفة العلوية، من حيث العرق فقط لا التدين)، وبالتالي فقد كان إسقاطه مقدمة للانتقام من السُّنة جميعاً.

***

2- "سايكس بيكو" جديدة على أسس طائفية

وفي المقالات السابقة أوضحنا أن السيطرة على منطقة المتوسط استراتيجية مهمة للغرب، وكانوا دائماً ضد قيام دولة مركزية قوية جنوبه أو شرقه.

وإذ إن إسرائيل لا يمكنها السيطرة على كافة هذه الأراض، ولو مؤقتاً، فإن الغرب رأى أن تبقى مهمتها كقاعدة متقدمة تحول دون التئام شرق المتوسط وجنوبه، فيما تم دعم الأقليات في باقي الدول العربية والإسلامية الأخرى لزعزعة استقرار الأغلبيات، كما بيَّنا بالتفصيل في مقال "طغيان الأقلية: دور الأقليات في زعزعة استقرار الأغلبية" (رقم 1 في المصادر).

كما رأى الغرب أن يقسم هذه المنطقة مجدداً، في سايكس بيكو جديدة، على أساس طائفي ومذهبي هذه المرة، بعد أن قسمتهم "سايكس بيكو" الأولى على أساس قومي من 100 عام. (بعد يوم واحد من نشر مقال "المرحلة الثانية من سايكس بيكو تجري في الموصل وحلب"، قال نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتولموش نفس الكلام في برنامج بلا حدود على الجزيرة) (رقم 2 في المصادر).

وحتى تكون الحرب الطائفية ممكنة، تم تصنيع ميليشيا الحشد الشعبي، وحركة النجباء الشيعية، وغيرها من الحركات التي تتبنى أيديولوجية شيعية متطرفة، كما تم أيضاً اصطناع تنظيم الدولة الذي دخل مدينة الموصل بسهولة ويسر في 2014 بشكل أدهش الكثيرين، ودفعهم للتساؤل عن دور الخيانة في ذلك، وبذلك صارت الحرب الطائفية ممكنة، بتشكيل طرفين يحملان أيديولوجية متطرفة.

وطبعاً تنظيم الدولة لم يتمكن إلا من مناطق السُّنة، حتى يكون اقتحام هذه المناطق والمدن مبرراً، ويحظى بتأييد عالمي.

في العامَين الماضيين تم اقتحام أكبر مدن السُّنة على نهر الفرات (الفلوجة والرمادي)، وهاهم الآن يستعدون لاقتحام أكبر مدنهم على نهر دجلة، وثاني أكبر مدينة عراقية، أي الموصل.

***

3- إيران تصنع حواجز طائفية

لقد أرادت إيران من خلال اقتحام الفلوجة وإيران فصل المدينتين السُّنتين عن الجار السني الأقرب (السعودية)، وتريد من معركة الموصل فصل المدينة عن جارها السني الأقرب (تركيا)، وبذلك تزيل إيران أهم الكتل السُّنية من أمامها، وتفتح طريقاً شيعياً خالصاً (انظر السهم) يمتد من طهران إلى السواحل السورية شمالاً، ومن بغداد إلى السواحل اللبنانية جنوبا.

وبهذا يصبح نقل المعركة إلى كركوك جنوبا، ليس تكتيكاً مفاجئاً من تنظيم الدولة فحسب، بقدر ما هو رغبة ما من جهة ما في كسر هذا الطوق الشيعي، أم أن من يريد تغيير تركيبة الموصل ديموغرافياً يريد تكرار الأمر في بقية المناطق الواقعة على امتداد المدينة شرقاً وغرباً لاستكمال المخطط، وبذلك أيضاً قد تفتح جبهة الرقة قريباً.

إن اقتحام الموصل وتدميرها على يد الميليشيات الشيعية، كما حدث في الفلوجة والرمادي، وتهجير أهلها لتغيير تركيبتها السكانية ديموغرافياً، كما حدث أيضاً في الفلوجة والرمادي، لا يعني فقط تحمل تركيا مزيداً من اللاجئين (تستضيف تركيا 2.2 مليون لاجئ عراقي وسوري)، بل يعني كذلك اكتمال بناء الإمبراطورية الفارسية الجديدة، بتمكن إيران من ربط جزرها المنعزلة في العراق وسوريا ولبنان بحزام واحد.

وستصبح كل من السعودية وتركيا معزولتين عن بعضهما البعض، ومحاصرتين بحزام شيعي يضيق ويقترب، وهو ما ترفضه تركيا بقوة، وتصر بعناد على المشاركة في معركة الموصل، لمنع استبدال الحرس الثوري الإيراني بالاحتلال الداعشي (الباء تدخل على المتروك)، خصوصاً مع التصريحات الشيعية التي أكدت أن معركة الموصل تأتي انتقاماً من قتلة الحسين عليه السلام.

أما السعودية، فلم تتحرك بشكل جدي لحماية أهل السنة في العراق، ويقترب حليفها في مصر من إيران أكثر وأكثر، وأخشى أن يصل هذا التضييق إلى حدود المملكة شمالاً مع الأردن، وإن كانت إسرائيل ستعترض كثيراً على وجود تنظيم الدولة هناك.

***

4- الموصل.. في وجه محاكم التفتيش الإيرانية

إن سقوط الموصل بيد الشيعة في إيران يشبه إلى حد كبير سقوط غرناطة بيد القوط في الأندلس، فالموصل، كما غرناطة، هي آخر مدينة قديمة تعترض طريق الطوفان الجارف الجديد.

ووسيلة إيران في تدمير الحواضر السنية وتغيير تركيبتها السكانية ذات الغالبية السنية هي نفس استراتيجية القوط في تغيير التركيبة السكانية من المسلمين في الأندلس.

وقد قال الكاتب الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب": "يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائصنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرون على المسلمين المنهزمين.. واقترح القس "بليدا" قطع رؤوس كل العرب دون أي استثناء حتى ممن اعتنقوا المسيحية، بمن في ذلك النساء والأطفال؛ لأنه لا يمكن التفريق بين الصادق والكاذب، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين عربي". وكان الراهب بيلدا قد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين قرابة مائة ألف في كمائن نصبها مع أتباعه!

كان الهدف الكاثوليكي وقتها صبغ إسبانيا بصبغة مسيحية كاثوليكية، فقتلت وهجرت الملايين، وإن إيران لتتبع نفس الوسيلة لتحقيق ذات الغاية، وهو صبغ المنطقة الواقعة من طهران شرقاً إلى الساحل غرباً بصبغة شيعية خالصة.

***

5- التحالف الإيراني الأميركي لتقسيم المنطقة

ورغم أن إيران ترفع شعارات الموت لأميركا، فإنها تقاتل بحماية الطيران الأميركي في اليمن والعراق، وهو الطيران الذي لا يرى إرهابيين إلا أهل السنة.

وإذا كان تنظيم داعش إرهابياً، ويتخذ مطية لتدمير حواضر السنة، فماذا عن التنظيمات الإرهابية الأخرى؟ فوفق القانون الأميركي فإن حزب الله منظمة إرهابية، ومع ذلك لا ترغب الولايات المتحدة في استهدافه، وفق التسريب الأخير لجون كيري الذي نشرته "نيويورك تايمز"؛ لأنه لا يستهدف القوات الأميركية، وعليه، يمكن القول إن أميركا لا تستهدف إلا من يقاومها فقط، وهذا دليل جديد لأهل السنة على أنهم يقاومون الاحتلال الأميركي، بينما يتوافق ويتحالف معه المشروع الشيعي في المنطقة.

لقد كان نائب وزير الخارجية الإيراني دقيقاً حين قال إن بلاده تسيطر على أربع عواصم عربية -ببغداد ودمشق وبيروت واليمن- ويبدو أن الفرصة قد حانت لإيران للربط فيما بين هذه العواصم، وتوحيد جزرها المنعزلة، لإقامة الإمبراطورية الفارسية من جديد، بحماية الطيران الأميركي.

يبدو أنه سيتحتم على هذا الجيل من المسلمين أن يقاتلوا الفرس والروم معاً، بالضبط كم فعل آباؤهم الأولون!

مصادر:

1 - "طغيان الأقلية: دور الأقليات في زعزعة استقرار الأغلبية".

2- مقال "المرحلة الثانية من سايكس بيكو تجري في الموصل وحلب".

3 - محاكم التفتيش الإسبانية: ويكيبيديا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.