المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

القرارات الصحيحة والقرارات المريحة في السياسة.. انقلاب تونس نموذجاً

تم النشر: تم التحديث:

الهدف الأول لجميع الانقلابات هو ارتداء عباءة الشرعية (المؤرخة الأميركية باربرا توكمان)

1- الانقلاب العسكري والانقلاب الدستوري: أيهما أخطر؟

صدم البعض من تصريح الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، والذي قال فيه: "ديمقراطية تونس مغشوشة ومهدَّدة.. والثورة أُجهضت بشكلٍ ناعم"
هذا التصريح يعني سياسياً أن انقلاباً حدث في تونس، لكنه انقلاب ناعم، أو ما نسميه "انقلاب دستوري" constitutional coup وهو ما قلناه منذ البداية ولم يصدقنا البعض!

الانقلاب الدستوري أقل دموية من الانقلابات العسكرية، إلا أنه أخطر كثيراً، لأنه لا يظهر عادة في شكل انقلاب، وفي حالة انقلاب تونس، ظل الكثيرون يفاخرون بعبقرية الأداء السياسي لإخوان تونس وحركة النهضة، وكيف تعاملوا مع الأمر بحنكة افتقدها إخوان مصر، بل وطالبونا بالاقتداء بهم، والسير على خطاهم.

وبعد سنوات يأتي أول رئيس لتونس بعد الثورة ليعلن على الملأ ما قلناه منذ أعوام؛ تونس شهدت انقلاباً لكنه ليس كانقلاب مصر، انقلاباً ناعماً حقق جميع أهداف الثورة المضادة، لكن من يفهم ومن يعي؟ من يدقق في الحقائق ولا ينخدع بالمظاهر؟

كلمة للتاريخ؛ لو كان إخوان مصر يفكرون في أنفسهم، لعقدوا صفقة مربحة، فانحنوا للريح، وقبلوا بالمعروض، وحصلوا على أغلبية مريحة في البرلمان، وحصة معتبرة في الحكومة، وفُتح لهم المجال السياسي، مقابل اللعب ضمن الحدود الأميركية والإسرائيلية الموضوعة، وعدم التمسك بالثورة "بحق وحقيق". أي سيكونون مجرد ديكور ديمقراطي، لاستبداد مقنع، وغالبا لن يُعتَقل أو يؤذى منهم أحد.

لكن من قال إن الإخوان يفكرون في أنفسهم؟ السفن أكثر أماناً على الشاطئ، لكنها لم تصنع لذلك!

لقد اختزل الإخوان ستين عاماً أخرى من الحكم العسكري في سنوات معدودة، وأحرقوا مراحل الحكم العسكري الجديد، الذي أراد أن يجدد السيسي دماءه في مصر، فوصل السخط عليه في 3 سنوات أكثر مما وصل سخط الناس على مبارك في 30 عاماً!

ولقد دفع الإخوان ثمن ذلك قتلاً واعتقالاً وتهجيراً، لكن في المقابل، فقد الجيش الستار الذي يحكم من ورائه طيلة عقود، وصار مسؤولاً أمام الجميع -بما فيهم من انتخبوه وفرحوا به وهللوا لانقلابه وبرروا جرائمه- عن كل كبيرة وصغيرة تحدث في البلد، بدلاً من الحكم من وراء ديمقراطية ديكورية تخفي استبداداً عسكرياً. ديمقراطية تأتي بالمرضي عنهم فقط ضمن الخطوط الحمر الموضوعة، والاسم ديمقراطية!

***

2- لماذا تعرض المبادرات على الإخوان، إذا كان الانقلاب مستقرا؟

ويظل السؤال مستمراً: لو كان الانقلاب مستقراً لماذا تعرض كل هذه المبادرات على الإخوان؟.. محمد العمدة، وسعد إبراهيم، ووثيقة العشرة، ومجدي العجاتي (وهو وزير في حكومة السيسي مما يعني أنها مبادرة من النظام رسمياً وليست عبر وسطاء)، وأخيراً مبادرة واشنطن، وما خفي كان أعظم..

الغرب يدرك أن أزمة مصر سياسية بالأساس وليست اقتصادية، وأن حل الأزمة سياسياً سينعكس على الأزمة الاقتصادية، بعودة السياحة وانسحاب الدبابة من الشارع. وطبعاً لا يوجد حل سياسي بدون الإخوان، ولكن بأي شروط؟

والغرب تعلَّم أن يتعامل مع العرب بثقافة السوق، فيبدأ بأعلى الأسعار ثم يتدرج في المساومات، وهم بارعون في ذلك. ولنتعلم مما فعله الغرب مع أردوغان حين قرر أن يطهر مؤسسات الدولة عقب الانقلاب الفاشل ليلة 15 يوليو الماضي، فظل قادة الغرب عدة أيام يحذرون أردوغان من التطهير والعقاب، متذرعين بالحريات وحقوق الإنسان.. إلخ، وكله من باب جس النبض والتهويش، منتظرين در فعل الرجل، ولما وجدوه ثابتاً مصصماً حازماً، رضخوا وقبلوا بالأمر الواقع.

***

3- هل حقق الانقلاب أهدافه؟

والأمر في مصر مشابه للضغوط التي مورست على تركيا، رغم أن الإخوان في مصر لم يتمكنوا مثل أردوغان. فالأمر الواقع في مصر يؤكد قرب حدوث انفجار أو انهيار إذا استمر السيسي في الحكم، وخاصة مع انقطاع الدعم الخليجي، لانهيار سعر النفط (وهو وضع لا يخيف بالمناسبة، فالثورة وحدها ستسفيد من أي انهيار للنظام وأي انفجار للأوضاع).

والانفجار ليس كلاماً يدور في مخيلة الإخوان والإسلاميين والثوار الحالمين الواهمين كما يدعي البعض، بل هو حقيقة يراها جميع المراقبين والمتابعين والمحللين للشأن السياسي. حتى إعلام النظام ومنهم عماد الدين حسين -مدير تحرير الشروق- الذي يذهب مع السيسي في جميع سفرياته، كتب مقالاً أمس الجمعة 16 سبتمبر يحذر فيه النظام من الانفجار القادم بعنوان "قبل الانفجار"، اعترف فيه بالنص قائلاً:

"إحساس المواطنين بالأزمة الاقتصادية شديد جداً، ونقمتهم على الحكومة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة منذ يوم 30 يونيو 2013، والمأساة الحقيقية أن هناك بعض السياسات الحكومية تبدو وكأنها لا تشعر مطلقاً بأن هناك أزمة خطيرة تواجه البلاد".

سيتضح بعد حين أن قرار مواجهة الانقلاب، رغم خطورته، ورغم عدم تملك دبابة تواجه دبابة الانقلابيين كما توفر لأردوغان، سيتضح أن ذلك أفضل الحلول لمواجهة الانقلاب، وأن الإخوان تعلموا حقاً من انقلاب 54 حين انسحبوا وتركوا الميدان، فكانت النتيجة كما تعلمون!

البعض يختار القرارات الصحيحة، والبعض يفضل القرارات المريحة. وفي السياسة النجاح لا يكون النتائج بالتضحيات، رغم عظمها، بل بتحقق الأهداف من عدمه.

وقد تأكد الجميع (مؤيدو السيسي قبل معارضيه) أن السيسي فشل في تحقيق أهداف الانقلاب، وعلى رأسها تحول انقلابه العسكري لانقلاب دستوري، وأن يرضخ الإخوان، ويتنازلوا عن مطلبهم بعودة الشرعية، وهو شيء يتأكد منه الأميركان في كل مرة يطلقون فيها بالونات الاختبار التي تعرض عليهم، مثل مبادرة واشنطن وأخواتها!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.