المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

ملاحظات عن الاتفاق الروسي الأميركي حول سوريا

تم النشر: تم التحديث:

الاتفاقات نوعان:

1- مفاوضات يعقبها اتفاقات.

2- اتفاقات يعقبها مفاوضات.

وإذا كنت تستغرب وجود اتفاقات يعقبها مفاوضات، فمعك حق؛ فهذا النوع من الاتفاقات لا يعرفه إلا العرب، ولم ينفذه إلا العرب.

حكى محمد حسنين هيكل في كتابه الطويل «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل»، ومواضع أخرى، أن الأوروبيين استغربوا مما فعله العرب في اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل! فقد أعلن الجانب الفلسطيني والإسرائيلي عن التوصل لاتفاق يسقط حق المقاومة المسلحة للاحتلال، ويعترف مبدئياً بدولة الاحتلال قبل الشروع في التفاوض على أي تفاصيل.

بل إن الاتفاق كان عبارة عن خطة للتفاوض، حصل الجانب الإسرائيلي فيها على نصيبهم مسبقاً، بينما انتظر الفلسطينيون نصيبهم في المفاوضات!

وللأسف فهذا ما جرى في اتفاق أميركا وروسيا حول سوريا، ولنا هنا عدة ملاحظات جديرة بالتوقف أمامها:

1- الاتفاق حدث بين طرفين أجنبيين، فهو اتفاق حول سوريا لم تحضره الأطراف السورية نفسها (النظام السوري - المعارضة - الأكراد.. إلخ).

2- الاتفاق لا يحقق إلا وقف إطلاق النار، وهذا يعني استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وهو ما يعني عملياً تقسيم سوريا إما إلى مناطق فيدرالية (ثلاث دويلات) أو تقسيمها إلى مناطق نفوذ (إيران وروسيا تبسط نفوذها على العاصمة والساحل، وتركيا تبسط نفوذها على الشمال السوري، والأكراد يبسطون نفوذهم على مناطقهم من الحسكة والقامشلي شرقاً حتى نهر الفرات غرباً).

3- الاتفاق لا يؤكد على شيء سوى حرب الجماعات الإرهابية، وهي لا تعني فقط داعش كما يظن البعض، بل تعني أيضاً الفصيل الأكبر والأهم في جيش الفتح المعارض، وهي جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً). أي أن هذا الاتفاق تعبير صريح عن الرغبة الدولية في التحول عن حرب النظام السوري أو حتى إحداث تسوية للأزمة، إلى محاربة الجماعات الإسلامية التي تخشى منها واشنطن وروسيا وإسرائيل وإيران.

إن هذا الاتفاق -وبغض النظر عن أنه هش- فإنه شديد الشبه باتفاق سايكس وبيكو منذ مائة عام بالضبط. فالاتفاق يفتح المجال أمام روسيا وأميركا فقط لتوحيد جهودهما العسكرية للتخلص من الفصيل الأكثر فاعلية في مواجهة الأسد (فتح الشام - النصرة سابقاً) دون أي تفاصيل عن مصير الأسد أو شكل الدولة أو سبل عملية لإنهاء الأزمة. (ولعل هذا ما دفع لافروف وكيري للاحتفال بشطائر البيتزا وزجاجتي الفودكا مع الصحفيين!).

هذا الاتفاق يعد المعارضة بحل للأزمة، كما وعدت بريطانيا العرب منذ مائة عام بحصولهم على دولة! اعترضت فرنسا وقتئذ على وعود بريطانيا -غير الجادة أصلاً- للعرب، وستحتج روسيا هذه المرة على وعود أميركا -غير الجادة كذلك- للمعارضة!

ولأن القوي على الأرض قوي في المفاوضات، فإن الغرب يريد أن ينتزع آخر أوراق القوة من يد المعارضة تحت شعارات وقف إطلاق النار والهدنة وإيصال المساعدات، بينما الهدف الحقيقي إحداث تسوية للأزمة لا وجود فيها للتيارات الإسلامية، ولا انتصار فيها للثورة أو هزيمة فيها للنظام!

والغريب أنه لا توجد حتى ضمانات على التزام النظام وحلفائه بهذه الهدنة، فقد اعتادوا خرق أي هدنة، ومن باب التفاخر أحياناً، وهو ما بدأوا بفعله فعلاً باستهداف قادة المعارضة، وقيامهم مجازر في مناطق المعارضة راح ضحيتها العشرات!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.