المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

سجادة واحدة لا تكفي!

تم النشر: تم التحديث:

عند الحديث عن السيسي، يتجاهل كثير من الناس الحقيقة العلمية الوحيدة ربما المؤكدة حول الرجل، وهي أن السيسي مريض نفسيًّا، مثله مثل كثير من الطغاة العرب الحاليين والراحلين!

إصابة السيسي بمرض البارنويا (جنون الارتياب)، ليس مجرد اتهامات من خصوم في السياسة، بل تصريحات في كبريات المجلات السياسية العالمية، التي وصفت السيسي، بل ونظامه أجمع بالبارنويا!

ففي تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية الشهيرة الصادر يوم السبت 23 مايو/أيار من العام الماضي، بعد أحكام الإعدام الجماعية بحق الرئيس مرسي ومعارضي الانقلاب العسكري، وحكم حظر روابط الألتراس واعتبارها إرهابية، جاءت فقرة تقول بالنص ما يلي:

"الأحداث الأخيرة تؤكد نموذج البارانويا الذي يمثله السيسي.. هذا النمط الذي يتسم بالبارانويا يبدو أنه نتاج رؤية متماسكة بين أجهزة الأمن المنقسمة في مصر، التي تجمعها وحدة الهدف في شن حملة ضد كافة أطياف المعارضة السياسية، ويتضافر الجيش والشرطة والمخابرات والقضاء لتنفيذ رؤية الحكومة السياسية، وهو إنجاز بيروقراطي مثير للإعجاب، لكنه ينذر بسوء فيما يتعلق بالإصلاح الديمقراطي".

وحين تصف مجلة متخصصة بحجم الفورين بوليسي عبد الفتاح السيسي بأنه مصاب بالبارانويا، وتذهب إلى تعميم ذلك على نظامه بالكامل، بل وتؤكد أنها الشيء الذي وحد الأجهزة الأمنية المنقسمة في مصر، فإن ذلك لا شك ليس نابعاً عن وصف مجازي أو بلاغي، بل على قدر كبير من العلمية والموضوعية.

تعريف البارانويا:
على غير الشائع، فإن البارانويا لا تعني جنون العظمة، وإنما جنون الارتياب، والحقيقة أن جنون العظمة هو أحد أنواع جنون الارتياب.

نجد مريض البارانويا يعاني من حالة مرضية ذهنية يعتنق فيها اعتقاداً باطلاً لكنه راسخ لديه. يتشبث المريض بهذا الاعتقاد الباطل بالرغم من سخفه، وقيام الأدلة الموضوعية على عدم صوابه.

وتختلف البارانويا عن الهلوسات في أن المريض الذي يعاني من هلاوس يتخوف من أشياء غير واقعية أو منطقية (مثل أن كائنات من المريخ تطارده وتريد قتله)، بينما مريض البارانويا (مثل عبد الفتاح السيسي) تتسم مخاوفه بالمنطق، لكنه منطق لا يقوم على أساس صحيح (مثل أن حرباً أهلية كانت ستقوم في مصر لو أكمل الرئيس مرسي مدته، وأنه لولا الانقلاب لكنا لاجئين نتلقى المعونات بالطائرات، أو أننا كنا سنصبح مثل سوريا والعراق، أو أن علينا الانتظار عامين فقط وسنرى العجب العجاب.. إلخ).

بهذا الشكل يمكن فهم الكثير من قرارات السيسي وأفعاله، والأسباب التي جعلته مصاباً بهذا المرض النفسي "البارانويا". فالطفل الذي نشأ في مدينة كبيرة كالقاهرة، حيث العلاقات فيها غير مترابطة كالريف، مع تعرضه لأشكال متكررة من الاضطهاد على يد أقرانه الذين كانوا يضربونه كثيرا، (هذه الذكرى التي جعلته يذكرها بعد عشرات السنين، ويذكرها على الملأ وعلى الهواء مباشرة وكأنها ضاغطة عليه وعلى أعصابه، على الشعور واللاشعور عنده، للدرجة التي دفعته لذكرها وهو في زيارة لأكبر دولة في العالم "الولايات المتحدة" وكأنه يقول لمن كانوا يضربونه في صغره: أرأيتم؟ أين أنتم الآن وأين أنا؟) كل هذه عوامل ساعدت ربما في تقوية شعوره بالاضطهاد والارتياب والخوف الدائم.

نفس الأمر ينطبق على الزمرة المحيطة بالسيسي؛ فعبد العاطي صاحب فنكوش الكفتة الشهير هو الآخر غالباً مريض بالبارانويا، لأنه لو كان مجرد أفّاق لما حدد موعدًا للكشف اختراعه المزعوم! الراجح أنه بالفعل يصدق نفسه، بالضبط كما يصدق السيسي أنه أنقذ مصر وهي نازلة تقع حد زقها فقام هو لحقها (حسب تعبيره).

السيسي -مريض البارانويا المضطهد في الصغر- يتحين الفرصة بعد الفرصة ليداوي النقص الذي تعرض له في صغره، والمهانة التي مورست عليه من أقرانه الذين كانوا يضربونه، وكان لا يملك إلا أن يتوعدهم في سره، أو من رؤسائه في الجيش الذين كان لا يملك إلا أن ينفذ الأمر مهما كان ظالما أو غير عقلاني!

وبمرور الوقت تزداد حاجة السيسي إلى إشباع نهمه للانتقام المعنوي من كل من ضربه صغيراً وأذله كبيراً، ويتضح أكثر وأكثر أن الذكريات الأليمة المحفورة في عقله أعمق مما نتخيل، وتتاج للثير من البذخ والسلة والسوة والطغيان كي يداوي جراحه المتقيحة!

سجادة حمراء واحدة لا تكفي غرور السيسي، ولا تشفي مرضه القديم، وشبقه الدائم للسلطة، حتى لو كانت هناك أُسَر في مصر تتضور جوعاً، ولا يملك السيسي إلا أن يعدها أنها ستشرب قريباً من مياه المجاري!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.