المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد نصار  Headshot

فخ إعادة تعريف العدو والصديق في سوريا!

تم النشر: تم التحديث:

حتى شهر مضى؛ كان أعداء الثورة السورية معروفين جيدا، وكذلك أصدقاؤها، لكن مياهًا كثيرة جرت في النهر السياسي إقليميًّا ودوليًّا؛ والهدف منها فك وتركيب مفاهيم "العدو والصديق" في سوريا، بحيث يصبح "العدو" هو ربما "بشار الأسد" فقط كشخص، دون الحكومة السورية أو بقية مؤسسات النظام، ويصبح "الصديق" هو فقط بعض فصائل المعارضة المرضي عنها خليجيًّا وأميركيًّا، دون باقي الفصائل التي تراها واشنطن متشددة وإرهابية تستوجب محاربتها!

وعليه فإن هدف بعض التحركات السياسية (مثل مؤتمر الرياض، وقرار مجلس الأمن 2245) والعسكرية (مثل اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش) هو توحيد جهود النظام السوري مع بعض فصائل المعارضة التي تراها واشنطن معتدلة، لقتال "الإرهاب" الذي هو في الحقيقة، ليس إلا بعض الفصائل الإسلامية المسلحة الأخرى التي تريد واشنطن محاربتها!

1- مؤتمر الرياض: انتقاء لبعض فصائل المعارضة:

مؤتمر الرياض هو مؤتمر سياسي سوري انعقد في الفترة بين 8 - 10 ديسمبر/كانون الأول 2015 في العاصمة السعودية الرياض، بين عدد من الأطراف السياسية السورية دون غيرها، وكانت أبرز مقرراته تشكيل هيئة عليا للمفاوضات، وتشكيل لائحة مشتركة من المعارضة للتفاوض مع النظام!

وخطورة مؤتمر الرياض أنه شق صف الفصائل التي تحارب نظام الأسد وحلفائه بنجاح، فتمت دعوة بعضها إلى الرياض، واستثناء بعض الفصائل الرئيسة الأخرى لأسباب سياسية بحتة، لا علاقة لها بطموحات الشعب السوري وثورته، ووقف معاناته المستمرة، ولا بمدى قتال هذه الفصائل للنظام السوري أو لتنظيم الدولة!

حتى حركة أحرار الشام -التي كانت تفاوض الإيرانيين أنفسهم، وليس النظام السوري في الزبداني بريف دمشق- انسحبت من المؤتمر بعد أن دعيت إليه، وذكرت الحركة عدة أسباب لذلك؛ أهمها عدم التمثيل المناسب للفصائل العسكرية المقاتلة على الأرض، مقارنة بالفصائل السياسية ومعارضي الخارج في الاجتماع.

وما نتج عن اجتماع الرياض، ليس إلا تعيين صائب عريقات جديد، ممثلا في تشكيل "هيئة عليا للمفاوضات"، ليوقع على اتفاقية مرتقبة ـ فيما يبدوـ بين النظام وبعض فصائل المعارضة المرضي عنها أميركيا وخليجيا، تمهيدا لقتال بقية فصائل المعارضة الأخرى التي تراها واشنطن إرهابية! بالضبط على غرار أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، لإحداث تسويات هشة واتفاقات سلام زائفة مع بشار أو خليفته، وهي اتفاقيات مفروضة بسلطة الأمر الواقع على غير إرادة وطموحات الشعوب!

باختصار، صار مطلوبا من المعارضة السورية أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها "المجتمع الدولي" وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلة الثوار وفق مؤتمر الرياض مع بشار الأسد فقط كشخص، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية!

2- قرار مجلس الأمن 2245 بشأن سوريا

جاء قرار مجلس الأمن الأخير بشأن سوريا (2245) هو الآخر ليسلط الضوء مرة أخرى على "العدو الواجب محاربته في سوريا"، مما يؤكد محاولات خلط الأوراق، وتغيير مفاهيم "العدو والصديق" في سوريا!

والعدو حسب نص القرار هو "الإرهاب والأيديولوجيا المتطرفة العنيفة" وليس النظام السوري الذي استخدم أسلحة الدمار الشامل ممثلا في السلاح الكيماوي 4 مرات، ويستخدم البراميل المتفجرة كل يوم!

على العكس جاء البيان ليؤكد أن الحل في سوريا سياسي عن طريق "عملية سياسية جامعة" وكلمة "جامعة" لا معنى لها إلا أنها تجمع النظام -ولو من غير بشار- مع المعارضة؛ ولكن ضد من؟

جاء في البند 8 من القرار الدولي 2245 الفقرة التالية:

"يكرر القرار دعوته الموجهة إلى الدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف أيضا باسم داعش) وجبهة النصرة، وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطين بتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، وغيرها من الجماعات الإرهابية، على النحو الذي يعيِّنه مجلس الأمن، وعلى نحو ما قد يتفق عليه لاحقا الفريق الدولي لدعم سوريا ويحدده مجلس الأمن، والقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامته تلك الجماعات على أجزاء كبيرة من سوريا، ويلاحظ أن وقف إطلاق النار المذكور أعلاه لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات".

من هنا يمكننا أن نستنتج بسهولة النقاط التالية:

القرار يوضح بجلاء أن العدو الواجب محاربته في سوريا هو "الجماعات الإرهابية" ولم يذكر النظام السوري بكلمة، وذكر بالاسم فصيلين بعينهما؛ داعش، وهو تنظيم على عداء مع باقي مكونات الثورة السورية، و"جبهة النصرة"، وهو فصيل مقاوم لم يقم بأي جريمة سوى أنه يحمل أيديولوجيا إسلامية، ولم يقم بجرائم توازي ما قامت به إيران وحزب الله وروسيا والنظام السوري!

وإذا كانت جريمة "جبهة النصرة" أنها على ارتباط بتنظيم القاعدة، فقد دعمت السعودية ومصر ودول عربية أخرى القاعدة، بتوجيهات من واشنطن، في مواجهة السوفييت في الثمانينات حتى اندحروا، وأطلقوا عليهم المجاهدين الأفغان! ويا للمفارقة؛ فالروس بأنفسهم موجودون في سوريا لمساندة النظام المستبد، فما المشكلة في قتالهم إذن؟

القرار نص على أن هناك تنظيمات إرهابية أخرى لم يذكرها، ربما لاتساع الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن بقية الأسماء، لكنه أكد أن من يحدد صفة الإرهاب هو "مجلس الأمن والفريق الدولي لدعم سوريا".
ولا شك أن كل دولة ستضع خصومها في خانة الإرهاب، بغض النظر عن مصلحة الشعب السوري ومعاناته (تركيا ستصر على وضع اسم وحدات حماية الشعب الكردية، والأميركان سيصرون على كل الفصائل التي تحمل أيديولوجيا إسلامية).

وقد قال جون كيري في مؤتمر صحفي مشترك -مع لافروف ودي ميستورا- إن الإرهاب المقصود هو "داعش وجبهة النصرة ومثيلاتها"، ولا شك أن الخلاف كل الخلاف يكمن في "مثيلاتها" تلك!

أما مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، فقد أكد تشكيل مجموعة عمل دولية مؤلفة من (إيران وروسيا وعمان ومصر وتركيا والأردن وفرنسا)، لإعداد قائمة جديدة بالتنظيمات الإرهابية في سوريا وتقديمها للأمم المتحدة. وهي مجموعة عمل ليس من بينها من يمكن اعتباره صديقا للثورة السورية إلا تركيا، والتي سيكون تركيزها منصبا كما قلنا على إدراج وحدات حماية الشعب الكردية في القائمة وفقط!

حتى الأطراف التي قالت إن اغتيال زهران علوش، قائد جيش الإسلام، مناف لقرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف إطلاق النار في سوريا، يبدو أنهم لم يقرأوا القرار جيدا!
فالقرار ينص صراحة على "ويلاحظ أن وقف إطلاق النار المذكور أعلاه لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات". للأسف لقد شَرْعَنَ القرار الدولي عمليات اغتيال كتلك!

3- اغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام:

جاء اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، في الجمعة الأخيرة من 2015 (26 ديسمبر/كانون الأول) ليطرح العديد من التساؤلات حول أهداف العملية وتوقيتها، ويغير الكثير من المواقف حول المبادرات المطروحة لحل الأزمة السورية سياسيا!

عملية اغتيال علوش، أو أمير الغوطة كما كان يسمى، تأتي بمثابة المنتج الأول لقرار مجلس الأمن 2245، وثمرة إعادة تعريف مفاهيم العدو والصديق في سوريا، وتطبيق سريع لوجهة نظر كل من روسيا والنظام السوري لمضمون القرار الدولي، ورسالة مبطنة مغلفة بالدماء أنه من غير المسموح بتواجد أي فصيل إسلامي في المفاوضات المزمع إجراؤها في 25 يناير/كانون الثاني 2016، ورغبة مبيتة في التخلص منهم ولو بالقوة المسلحة، حتى لو كان على خلاف مع تنظيم الدولة داعش ويقاتلونه على الأرض، وحتى لو كان جميع أعضائه سوريين، وليس مرتبطا بأية منظمات خارجية كجبهة النصرة!

بالأحرى: لقد تم استهداف قائد جيش الإسلام لمرونته واعتداله وليس لتطرفه، حتى لا يبقى في صفوف المعارضين إلا من يسهل شيطنتهم، وتأليب الرأي العام عليهم، قبل مفاوضات الشهر القادم!

الخلاصة:

صار مطلوبا من الثوار في سوريا، وباقي الدول العربية، التصالح مع الأنظمة المستبدة التي ثاروا عليها، لمحاربة "الإرهاب"، وإلا صار الثوار أنفسهم جزءًا من هذا "الإرهاب" المزمع محاربته! والإرهاب من وجهة نظر هؤلاء، ليس إلا بعض فصائل المعارضة الأخرى التي لا ترضى عنها أميركا وإسرائيل والأنظمة المستبدة!

من ناحية أخرى فقد نجحت الثورات المضادة في صناعة فزّاعة كبرى جديدة؛ اسمها الإرهاب المتطرف، بعد خفوت نجم القاعدة، لقمع الشعوب وإيقاف تطلعاتها في التغيير! وما يجري الآن هو عملية إعادة تأهيل للأنظمة المستبدة، لتصبح شريكا لـ"معارضة معتدلة"، مرضي عنها أميركيا وإسرائيليا وإقليميا لتحارب عدو أميركا نيابة عنها؛ "الإرهاب" الإسلامي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.