المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

جوعوا حتى تنعم الرئاسة المصرية بطائرات فاخرة

تم النشر: تم التحديث:

في وقت يعاني فيه غالبية المصريين من سوء الأحوال الاقتصادية والمعيشية، لا تتوقف الدولة المصرية عن إظهار التبذير والإسراف المبالغ فيه، وسط دعوات الدولة ذاتها بالتقشف إنقاذاً للوضع الاقتصادي المتردي خلال الآونة الأخيرة. هذه التصرفات غير المسؤولة المتزامنة مع الإجراءات الاقتصادية والتقشفية القاسية التي تفرضها الدولة على جموع الشعب -عقب توقيع اتفاق القرض مع صندوق النقد الدولي- ستسرع من وتيرة الانفجار الشعبي الوشيك. في غضون بضعة أشهر، سيواجه المصريون ارتفاعاً شديداً في أسعار المرافق الأساسية من الكهرباء والماء والغاز والمواصلات، إلى جانب الارتفاع المتتالي في أسعار السلع الغذائية والضرورية.

لكن هل ستؤدي هذه الظروف الاقتصادية الصعبة إلى ثورة أخرى في مصر؟ وهل ما يحرك الثورات في العالم العربي هي المطالب الاقتصادية أم السياسية أم الاثنتان معاً؟

التاريخ وحده يقول إن الثورات هي لحظات فجائية في تاريخ الشعوب تخرج من رحم أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية وربما دينية، تجتمع فيها الناس على المغارم ويتفرقون عند المغانم؛ لذلك لا أحد يستطيع أن يستنخ الثورات ولا أن يوقت لها وقتاً معيناً. فمن الصعب القول باحتمالية حدوث ثورة أخرى على المدى القريب، خاصة أن ما حدث في 25 من يناير/كانون الثاني 2011 لم يصل إلى مستوى الثورة الكاملة بمصطلحات العلوم السياسية، بل إن التوصيف الدقيق للحدث على الأرجح هو احتجاجات شعبية واسعة استغلها الجيش للإطاحة بالنظام، فكانت القوة المتمثلة في الجيش هي العامل الحاسم في التغيير، لكن إذا لم يأتِ التغيير عبر الثورة، فكيف تتغير الأنظمة الديكتاتورية؟

تتأسس الأنظمة الديكتاتورية في العادة على ركنين أساسيين: الركن الأول هو القوة المتمثلة في الجيش الذي يمسك بزمام الأمور، أما الركن الثاني فيتمثل في إضفاء صفة الشرعية على الحكم لترسيخه ولكسب رضا المحكومين، وإذا انعدم أحد الركنين، يتزعزع النظام ويصبح على شفا الهاوية.

إذا تطرقنا إلى الركن الأول، نجد أنه على مدار التاريخ القديم والحديث لا تقوم الأنظمة الديكتاتورية إلا بالقوة المتمثلة في الجيوش المنظمة التي تسطيع إحكام السيطرة على البلاد وإدارة شؤونها، لكن ليس بالقوة وحدها تستطيع الأنظمة الديكتاتورية العيش والاستمرار لفترات طويلة في الحكم، بل تحتاج إلى تحقيق بعض الإنجازات الملموسة التي تحقق القليل من الرضا؛ لتنسي الشعب فكرة اغتصاب الحكم.

أما الشرعية فهي فكرة معنوية جوهرها رضا المحكومين عن الحاكم والنظر إليه على أنه وصل إلى الحكم بطريقة سليمة وليس مغتصباً للسلطة. ورغم أن البعض ينظر إلى فكرة الشرعية بضآلة مقارنة بالقوة، فإن الشرعية كانت على مدار التاريخ محور اهتمام الحكام. فلا عجب إن علمت أن حكام المماليك في مصر بحثوا عن نسل الخلفاء العباسيين ليقلدوهم أمر الخلافة بعد انهيار الخلافة العباسية ببغداد، وما كان ذلك حباً للعباسيين بقدر ما هو تعضيد لحكم المماليك واكتساباً للشرعية.

الجدير بالذكر أن الدولة المصرية تعيش الآن حالياً حالة من الهدوء الخطير ترقباً إما لحدوث انفجار شعبي مصاحب للضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أو انقلاب سهل المنال من الجيش يركن إلى استغلال عدم شرعية النظام الحالي وتلاشي القاعدة الشعبية المزيفة المصنوعة من قِبل الإعلام؛ لذلك فإن النظام المصري قد وضع نفسه بين سندان ثورة مرتقبة ومطرقة انقلاب محتمل.

وسط ذلك كله، سيكون الجيش لاعباً رئيسياً في الأحداث السياسية القادمة، فإذا أحس الجيش بدنو أجل النظام عبر الانفجار الشعبي الذي سيطال جميع مؤسسات الدولة هذه المرة بما فيها الجيش، فلن يكون أمام الجيش سوى خلع النظام إرضاءً للسخط الشعبي واستباقاً للانفجار الشعبي. في تلك اللحظة، لن يستطيع الجيش تكرار سيناريو 3 يوليو/تموز وسيجد نفسه على خلاف الماضي أمام إرادة شعبية واعية لا أحد يستطيع الالتفاف عليها.

أمام هذه الإرادة الشعبية الطاغية ومع خلو منصب الحاكم، لن يجد الجيش أمامه سوى الاحتكام إلى الشرعية الشعبية وقد يضطر بنفسه إلى العودة بالبلاد إلى ما قبل الثالث من يوليو 2013. لكن هناك الكثير من العقبات التي تقف في طريق هذا السيناريو، من أبرزها الخروج الآمِن لقادة الجيش، وطبيعة العلاقة المستقبلية بين الجيش والدولة المدنية والقصاص إلى جانب ماهية الأسس التي تقوم عليها المصالحة بين الدولة وغيرها من الأطراف المعارضة، وخاصة التيار الإسلامي.

حتماً سيخرج من الجيش في يوم من الأيام رجل رشيد يدرك خطورة الوضع الراهن، ويعيد مصر إلى مسارها الصحيح، ويعلي مصالح البلاد والعباد، ويعيد الحقوق المغصوبة إلى أصحابها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.