المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

العدل ضالّة الإنسان في الأرض

تم النشر: تم التحديث:

منذ بزوغ فجر البشرية والإنسان ينشد العدل في كل زمان ومكان باعتباره قيمة إنسانية فطرية تولد داخل الإنسان، بغض النظر عن دينه وعرقه ولغته. كان العدل دائمًا وما يزال معول بناء الحضارات ومحور اهتمام الرسالات السماوية قاطبة، بل مبعث الإنسان في حياته ومقياس نجاحه بعد مماته. ورغم أن سنوات العدل كانت بمثابة ومضات ضئيلة وقليلة في حياة البشرية، إلا أنها كانت ترسيخًا لمبدأ "انتصار الحق في النهاية". وبمداد من ذهب، سطرت الأمم والحضارات عبارات جسدت قيمة العدل لديها، كان من أبرزها "العدل أساس الملك".

فلا تتعجب عندما تقرأ نصوصاً فرعونية قديمة تقول "عندما يتم اختيار الملك الصالح، ينبع الخصب في الحقول وتأتي الانتصارات في الحروب وعلى الشعب أن يعيش في خير وهناء ومقيم"، هؤلاء كانوا قوماً وثنيين قدسوا قيمة العدالة ورسخوا مبدأ "العدالة لا دين لها"، بل هي فطرة الله في الإنسان. ثم جاءت الرسالات السماوية جميعًا مؤكدة لهذا المعنى. فما جاء الإسلام إلا ليُخرج الناس من ظلمات الظلم إلى نور الحق والعدل، فتجسدت العدالة في أعمق صورها في القرآن والسنة والفعل.

من قلب القرآن، نبعت آيات محكمات ترسخ العدالة كأساس للرسالة، فقد أمر الله بعد تقوى الله بالعدل في قوله "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"، بل أمر بالعدل مع العدو قبل الصديق، فقال "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون". وكانت حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثلاً في إقامة العدل، فمن أقواله "أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

ولعل قصة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع سواد أبلغ دليل على تحقيقه للعدل، فعندما ضرب النبي الصحابي سواد بسهم أثناء غزوة بدر وقال له استو يا سواد، رد عليه سواد "لقد أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني"، فما كان من النبي القائد العادل إلا وكشف عن بطنة وقال له اقتص يا سواد. وعلى درب العدالة، اقتد الصحابة والخلفاء الراشدين بما رأوه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهذا الصديق أبي بكر يقف خطيبًا ويقول "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". وتتجلى العدالة في أبهى صورها في عهد الفاروق عمر، فهذا عمر ينصف المصري الذي ضربه ابن عمرو بن العاص ويقول لعمرو "يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أماتهم أحراراً".

وعلى مدار العصور، كانت العدالة مأمل الضعفاء ورجاء الأقوياء ومبتغى الناس بجميع أشكالهم وألوانهم، فقد كان العدل وما يزال الأساس للأمن والسلام المجتمعي، فلا سلام ولا أمن دون العدل، لكن العدل لا يخرج إلا من قوم أتقياء حكماء، لا من السفهاء الفجار. ولا يحيد عن العدل إلا مختلاً في عقله كارها لنفسه وللناس، بائع آخرته بدنياه، لا يقيم ليوم الحساب وزنًا ولا يبغي من الدنيا إلا المتاع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.