المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

الجزيرتان مصريتان.. لحظة توحّد من أجل الوطن

تم النشر: تم التحديث:

بدماء الآباء والأجداد وبحق الأبناء والأحفاد في تراب هذا الوطن، نطق القاضي بمصرية الجزيرتين، معلناً بكلمات نقشت نفسها على صفحات التاريخ الخالدة "أن مصر ليست نقطة على خريطة الكون ولا خطوط رسمها خطاط أو عالم جغرافيا"، موجهاً صفعة مليئة بالخزي والعار على وجه كل مَن فرَّط في حبة رمل من أرض هذا الوطن من أجل حفنة من المال،

فبأي عقل وبأي قلب سوَّلت لكم أنفسكم التفريط في قطعة من وطن كان ولا يزال وسيظل غالياً وعزيزاً على كل مَن عاش في أرضه وشرب من نيله واكتسب هويته وحمل جنسيته مهما ساءت الظروف وتبدلت الأحوال، وبالتأكيد كانت الفرحة بالحكم واحدة وموحدة بين المؤيدين والمعارضين؛ لتذرف نقطة أمل في بحر الفوضى السائد منذ وقت طويل.

لكن بِغضّ النظر عن هذا الحكم التاريخي بكل مقاييس القاضي ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، إلا أن هناك الكثير من علامات الاستفهام التي تحوم حول الحكم، فهل فقد النظام المصري سيطرته على القضاء المصري ليصدر حكمَين بهذه السهولة؟ وهل هناك دور خفي لعبه الجيش لإخراج هذا الحكم إلى النور؟ وما هي الأبعاد التاريخية والقانونية والسياسية والاقتصادية والدولية لهذا الحكم وتلك القضية؟

بالتأكيد فإن السهولة التي خرج بها حكما محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا بشأن قضية تيران وصنافير تنبئ عن يد خفية سهَّلت الأمر حتى يصدر بهذه البساطة، في وقت نجح فيه النظام المصري في تمرير المئات من القوانين عبر البرلمان، بل والحصول على الكثير من الأحكام القضائية في الكثير من القضايا التي خرجت في كثير من الأحيان عن إطار المنطق والعقل.

والأمر هنا لن يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما، أولهما أن الدولة نفسها هي التي سهَّلت خروج هذا الحكم إلى النور على أثر الخلافات العلنية مع السعودية بشأن القضية السورية، لكن هذا الاحتمال بعيد كل البعد عن الواقع، وخصوصاً أن الحكم الأول صدر في وقت شهدت فيه العلاقات السعودية - المصرية حالة من الرضا والتوافق.

يتبقى الاحتمال الثاني والمتمثل في قيام الجيش بتسهيل تمرير هذا الحكم من خلف الستار، وخصوصاً أنه قد بدا من البداية علامات الرفض وعدم الرضا عن الاتفاقية من جانب المؤسسة العسكرية، وهذا الاحتمال هو الأرجح في ظل عدم صدور بيان رسمي من الجيش بشأن الاتفاقية حتى هذا الوقت.

أما عن الأبعاد التاريخية للقضية، فهناك وثائق تثبت أن الجزر كانت تخضع للسيادة المصرية منذ أكثر من قرن من الزمان، وليس أدلَّ على ذلك من وثيقة قدمها السفير المصري إلى الأمم المتحدة عام 1954 لتفنيد الادعاء الإسرائيلي باحتلال مصر للجزيرتين، أثبت فيها ممارسة السيادة المصرية على الجزيرتين منذ عام 1906 عقب اتفاقية لترسيم الحدود بين مصر والدولة العثمانية في ذلك الوقت.

فيما يتعلق بالأبعاد القانونية للقضية، فهناك مساران قد تلجأ إليهما الدولة المصرية للمُضي قدماً في إثبات عدم مصرية الجزيرتين؛ المسار الأول هو اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، وهي هنا حتماً ستحكم بعدم اختصاصها حسبما يقول خبراء القانون، أما المسار الثاني فيتمثل في اللجوء إلى البرلمان لمحاولة تمرير الاتفاقية، لكن لحسن الحظ، فإن البرلمان لا يجوز له مناقشة أي اتفاقية صدر ضدها حكم قضائي باتّ لتكون هي والعدم سواء،

أيضاً فإن الاتفاقية نفسها تخالف الدستور مخالفة صريحة بنص المادة 151 من دستور عام 2014 القائلة: "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية ويبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً لأحكام الدستور، ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة".

من الناحية السياسية، من الواضح أن مسألة الجزر ستعمّق الخلافات الواقعة بين مصر والسعودية بالفعل إزاء اختلاف موقف كلا البلدين من القضية السورية.
على منحنى مختلف، سيؤثر انقطاع المساعدات السعودية لمصر على حالة الاقتصاد المتدهورة التي وصلت إلى ذروتها في الشهور القليلة الماضية؛ بل وستعمق بالتأكيد من محنة النظام المصري في مواجهة التحديات الداخلية.

أما عن الأبعاد الدولية للقضية، فمن المستبعد أن تلجأ المملكة العربية السعودية إلى التحكيم الدولي بشأن الجزيرتين ببساطة؛ لأن مصر هي من طلبت عقد تلك الصفقة وليست السعودية، وكان الغرض منها هو الحصول على مساعدات اقتصادية من السعودية لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد.

لكن بغضّ النظر عن تلك الأبعاد، فإن هذا الحكم التاريخي يمثل لحظة توحّد في حياة المصريين على قضية لن يختلف عليها مؤيد أو معارض، ويجب استغلال هذا الحكم لتوحيد الصف من أجل إنقاذ الوطن من مستقبل مظلم يحيط به من كل مكان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.