المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

السياسة الخارجية المصرية: لا هوية.. لا أهداف.. لا إنجازات

تم النشر: تم التحديث:

لطالما ارتبطت السياسة الخارجية المصرية بشخصية الحاكم ورؤيته لمسار الدولة في فترة حكمه، وغالباً ما تكون التوجهات السياسية والأيديولوجية للحاكم هي العنصر المهيمن على العلاقات الخارجية.

الأكثر من ذلك أن الطابع المميز لتلك السياسة دائماً ما يتمثل في الحفاظ على مصالح النظام الحاكم أكثر من مصالح الدولة ذاتها، لكن السياسة الخارجية في ظل الحكم الجمهوري العسكري كانت فريدة من نوعها وشهدت ثلاثة تحولات مضادة في فترات ليست طويلة.

بدأت مصر عهدها الجمهوري بشراكة استراتيجية مع الاتحاد السوفييتي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، رغم تبني الدولة المصرية وقتئذ مبدأ عدم الانحياز، وكان من الأجدر تسميته بمبدأ عدم الانحياز للولايات المتحدة، ومع انتهاء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أدار الرئيس أنور السادات الدفة باتجاه الولايات المتحدة باعتبارها القوى المهيمنة في الشرق الأوسط وصاحبة العلاقات الجيدة بإسرائيل العدو التاريخي للعرب والمصريين، وظلت علاقة مصر بالولايات المتحدة راسخة بعد "كامب ديفيد" وفي العقود السابقة لثورة 25 يناير/كانون الثاني.

لكن بعد الثالث من يوليو/تموز 2013، دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة جديدة في تاريخها العسكري، اتسمت هذه المرحلة بالغموض الشديد، فتارة يلقي النظام المصري بثقله خلف الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الحليف الاستراتيجي، وتارة أخرى يُظهر وداً وتحالفاً مع روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي.

على الجانب الآخر، حرص النظام المصري على إقامة علاقات استراتيجية مع الدول الخليجية، وخاصة بعد الدعم الخليجي الهائل على المستوى المالي والسياسي للجيش في الثالث من يوليو، لكن سريعاً ما تحولت تلك العلاقة إلى نوع من التوتر والصراع، وخاصة مع اختلاف الرؤى المصرية السعودية حول القضية السورية والدعم المحدود الذي قدمته مصر في حرب اليمن ضد الحوثيين.

وفي ظل هذا الصعود والهبوط، ظلت علاقة النظام المصري بإسرائيل راسخة؛ بل وتعززت بعد الثالث من يوليو.

خلال كل هذه العلاقات المتشابكة المتلاحقة، لم يكن واضحاً ماذا تريد الدولة المصرية من سياساتها الخارجية؟ هل تريد الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بالولايات المتحدة أم ترغب في إقامة تحالف مع روسيا؟ ولماذا تعمد النظام المصري تبنّي وجهة نظر مختلفة عن رأي الدول الخليجية في القضية السورية رغم أنه في أمَسّ الحاجة للأرز الخليجي في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد؟

لحسن الحظ، الجواب في غاية السهولة، فقد أعلن النظام المصري عن المبدأ الأساسي لسياسته الداخلية والخارجية منذ اليوم الأول، وهو "لا يوجد شيء دون مقابل"، فعلى كل من يريد الحصول على تأييد الدولة المصرية أن يدفع المقابل لذلك، سواء كان هذا المقابل مالياً أم سياسياً. لكن حينما يتعارض الطريق إلى الأزر مع المصالح الدولية للقوى الكبرى في العالم، يعطي النظام المصري الأولوية للطاعة العمياء للكبار وليذهب الأزر إلى الجحيم؛ حيث يرى النظام أن الحفاظ على العلاقات الوثيقة بالدول الكبرى في العالم هو الرهان الرابح لضمان بقائه في السلطة لأطول فترة ممكنة، أكثر من المساعدات السخية التي تقدمها دول الخليج، هذه الفلسفة هي التي تقبع وراء العديد من القرارات المتضاربة للنظام المصري في الآونة الأخيرة.

لهذه الأسباب، فإن موقف مصر من القضية السورية ليس هو موقفها الذاتي القائم على مصالح الدولة المصرية؛ بل هو موقف يعبر عن مصالح الدول الكبرى، الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لمصر، وروسيا التي تريد حفظ تواجدها في سوريا وفي البحر المتوسط، كذلك فإن التقارب المصري - الإيراني يعد رغبة أصلية للولايات المتحدة التي ترى أن طهران وحدها هي القادرة على دحر الجماعات السنية المتطرفة في العراق والشام بما لها من ميليشيات شيعية وعملاء بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة.

لكن إذا ما وصلنا إلى المصالح الحقيقية للدولة المصرية المتمثلة في ترسيخ الدور المصري الإقليمي والحفاظ على مصالح الأمن القومي المصري وحشد الدعم الخارجي لتعزيز التنمية الداخلية في البلاد، فلا نجد إلا الفشل التام للسياسة الخارجية المصرية.

فعلى صعيد الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، فشلت السياسة الخارجية في التوصل إلى حل عادل بشأن سد النهضة الإثيوبي، كما فشلت في حل الأزمة الحدودية بين مصر والسودان على مثلث حلايب وشلاتين، إلى جانب التفريط في حقوق مصر الاقتصادية في المياه الإقليمية في البحر المتوسط لصالح إسرائيل واليونان.

على الجانب الآخر، فقدت مصر دورها الرائد في رعاية القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين في منطقة الشرق الأوسط؛ بل ومال النظام المصري بالكفة لصالح الإسرائيليين على حساب الشعب الفلسطيني.

الأكثر من ذلك أن النظام المصري تسبب في الإساءة الشديدة لسمعة مصر على المستوى الدولي وذلك من خلال قضايا مثل قضية ريجيني وغيرها من القضايا.

هذا كله يضاف إلى ضعف وذلة صاحب الهوية المصرية خارج حدود الدولة جراء استهانة الدبلوماسية المصرية في التصدي للقضايا الفردية والدفاع عن مصالح الجاليات المصرية في الخارج.

على مدار عقود، عاب الناس على الدبلوماسية المصرية سياسة التنديد والشجب والإدانة، لكنهم لم يتوقعوا يوماً ما أن تنتهي سياسة التنديد إلى سياسة التطبيل والبحث عن الأزر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.