المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

انقلاب أضاع أمة وحقق نبوءة نبوية

تم النشر: تم التحديث:

في فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، خرجت مجموعة من ضباط الجيش المصري لتغيير الحكم الملكي إلى حكم جمهوري يسعى لنشر العدالة والمساواة بين كافة أطياف الشعب، لكن سرعان ما تبخرت الآمال الديمقراطية الموعودة لتتحول التجربة إلى حكم استبدادي مطلق استشرى في جسد الأمة العربية حتى وقتنا هذا. قبلها بألف وأربعمائة عام، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد قال في حديث له "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".

حينئذ، كان الحكم الملكي العاض قد انتهى بالفعل من الدول العربية مع إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك. لكن انقلاب 1952 بمصر كان هو الحدث الأبرز في تاريخ الأمة العربية، حيث سارت غالبية الدول العربية على الخطى المصرية وأضحت الانقلابات العسكرية سنة مؤكدة لدى الجيوش العربية، فلم تمض الأيام حتى وقعت عدة انقلابات في سوريا والعراق والجزائر والسودان، كان أشهرها انقلاب حافظ الأسد في سوريا عام 1970 وانقلاب العقيد معمر القذافي في ليبيا عام 1969، وانقلاب هواري بومدين في الجزائر عام 1965 وأخيرًا انقلاب عمر البشير في السودان عام 1989.

ورغم أن بعض هذه الانقلابات قد نجحت في تحرير الشعوب العربية والإفريقية من السيطرة الاستعمارية المباشرة، إلا أنها رسخت مبادئ المولاة والتحالف مع الدول الغربية، فاستبدلت الشعوب العربية الاستعمار الغربي المباشر باستبداد محلي يتبع تبعية غير مباشرة للغرب. وباستثناء بعض الفترات القصيرة التي عاشتها بعض الدول العربية في ظل حكم معتدل، كفترة الرئيس أنور السادات في مصر وما تبعها من انتصارات أكتوبر والمساحة المحدودة من الديمقراطية، إلا أنها ظلت تمثل تجارب فردية لا تستند إلى أي أسس ديمقراطية.

الغريب أن الانقلابات جميعها تشابهت في الوعود المزيفة والدعوة إلى العدالة والمساواة وتطبيق المبادئ الديمقراطية، لكن بعد نصف قرن من الزمان، لم تشهد الدول العربية أي نوع من التقدم في إرساء الديمقراطية، إلى جانب سوء التعليم والأحوال الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، وضعف تكوين المواطن العربي فكريًا.

فعلى المستوى السياسي، استحدثت تلك الانقلابات العسكرية فكرة الحاكم العميل الذي يعمل على تحقيق المصالح الغربية في البلدان العربية. رويدًا رويدًا، أصبح العالم الغربي يتحكم في تعيين وعزل الحكام من خلال التبعية العسكرية والاقتصادية للدول الغربية. هذا النموذج الغربي في السيطرة على الدول قد حقق نجاحًا شاملاً في بعض الدول العربية، فأصبح هناك ثلة ليست بالقليلة من العملاء يحفظون المصالح الغربية ويسهرون على التآمر على أوطانهم في كل شبر من البلدان العربية.

على المستوى التعليمي، انتهت مخرجات التعليم الملكي في أواخر الثمانينات الماضي من القرن الماضي في البلدان العربية وظهر جيل جديد تعلم في حضن الثورات العسكرية التي رعت التعليم كميًا وليس كيفيًا، فأصبح لدى الدول العربية تعليم شامل دون أن يكون هناك متعلمين على مستوى ينافس الدول الغربية الكبرى، كما عملت غالبية الدول العربية على تقليص التعليم الديني التأسيسي والتوسع في التعليم العام الذي يفتقر إلى الجذور الحضارية الإسلامية.

أما من حيث المستوى القومي العربي، فقد فقدت الدول العربية تلاحمها واتحادها، بل وفقدت بعض من أراضيها في حرب يونيو/حزيزان عام 1967 ضد الجارة إسرائيل، ولم تنجح الدول العربية في استعادة أراضيها حتى الآن إلا مصر باتفاقية استسلام مذلة عملت على تحييد الدور الإقليمي المصري وإخراج مصر من حظيرة الجهاد الإسلامي ضد إسرائيل، فأصبحت كل دولة منشغلة بأحوالها بمنأى عن أشقائها العرب.

لكن مع خروج الثورات والاحتجاجات التي عرفت بالربيع العربي، أصبحنا الآن بانتظار تحقق نبوءة انتهاء هذا الحكم الجبري الذي ظل جاثمًا على أنفاس الأمة العربية طيلة أكثر نصف قرن من الزمان لتعود الخلافة التي تسير على منهاج النبوة إلى حضن الأمة العربية والإسلامية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.