المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

مصر على أبواب أيام من الغضب

تم النشر: تم التحديث:

بانت في الأرض العلامات، وظهرت في السماء الآيات، وما بين عشية وضحاها، سوف تضيء شمس الحرية على سماء القاهرة التي امتلأت بغيوم الظلم والغلاء وسوء الأحوال المعيشية.

مصر التي فرقتها الأحزاب السياسية والانتماءات الدينية والأطماع الدنيوية في عام 2013، قد جمعتها اليوم البطون الخاوية والعقول البالية والأحلام الضائعة في وطن آمن وعادل للجميع.

مصر اليوم تتقاسم الحزن والأسى على وطن فقد سطوته وضاعت هيبته وتفرق أبناؤه بين غريق وبائس ومحبوس.

لكن الناس ليسوا سواسية فيما يرونه بشأن مصير بلادهم، فمنهم من يقول: "قد نتحمل جوع البطون وبرد الشتاء وظلم الحكام في ظل سماء تظلنا وأرض تؤوينا وأحباء يحيطون بنا، ولا نريد لبلادنا مثلما حدث لجيرانها من البلدان"، ومنهم من يرى أن الحرية أهم من الأقوات وأن الكرامة مع الموت أفضل من الحياة الذليلة.

في الإطار نفسه، ما زالت سفينة البلاد تتقلب في أمواج عاتية من الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية بأيدي ربانٍ لم يتعلموا يوماً كيف يديرون دفة دولة اتخذت لنفسها مكانة عريقة منذ قديم الأزل.

لكن رغم سوء المرحلة التي تمر بها الدولة، فإنها خلقت أكبر نسبة من الوعي في تاريخ مصر العسكرية، فقد أضحت الغالبية على وعي تام بالفرق بين من وقف بجوارهم وانحاز للضعفاء والفقراء ضد الأغنياء، ومن أراد أن تكون أموال الشعب دُولة بين الأغنياء منهم وحصراً على الوجهاء.

ووسط هذه المرحلة القاتمة، يتساءل الكثيرون هل نحن حقاً على أعتاب غضب شعبي عارم يحدث انفراجة سياسية بالبلاد؟ وهل الشعب نفسه قادر على إحداث تغيير سياسي أم أن الأمر كله بيد الجيش؟

بالتأكيد الشعب هو المحرك الأساسي للتغييرات السياسية الكبرى بالبلاد، لكن الشعب بنفسه لا يحدث التغييرات، بل يمارس ضغوطاً شعبية على السلطة الحاكمة لتدير دفة البلاد في الاتجاه الذي تريده الإرادة الشعبية.

لذلك يظل الجيش اللاعب الرئيسي في تحديد مسار العملية السياسية في مصر بصفته من يمتلك القوة والسلطة بالبلاد.

لكن يجب على الجيش إدراك خطورة المرحلة التي تعيشها الدولة، فإذا خرجت الجماهير إلى الشوارع هذه المرة، فلن يكون بالإمكان السيطرة عليها كما حدث في المرات السابقة، فالاحتجاجات هذه المرة لن تكون حزبية ولا طائفية، لكنها تجسد أحلام البسطاء وتحمل في طياتها مطالب اقتصادية بحتة متمثلة في معيشة كريمة وحياة عادلة وآمنة.

وبلا شك، لا بد أن الجيش يفكر في الوقت الراهن فيما يمكن فعله إذا اندفعت الجماهير إلى الشوارع، لكن الأمر لن يخرج عن ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول هو التصدي بكل قوة لأي احتجاجات ومظاهرات حتى الوصول بالبلاد إلى انتخابات عام 2018، ثم طرح شخصية عسكرية أخرى تكمل مسيرة الجيش في السيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية بالبلاد.

لكن هل فكر الجيش في التبعات السياسية الناتجة عن ذلك؟ وهل سينجح الجيش في قمع هذه الاحتجاجات المستمرة؟ بالتأكيد لو نجح الجيش في قمع هذه الاحتجاجات بالقوة مرة، فلن يكون الأمر بهذه البساطة في المرات المتتالية؟

وهل يستطيع الجيش تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في ظل فشل الحكومات المتعاقبة في إيجاد حل لهذه الأزمات وفي ظل سيطرة الجيش نفسه على موارد الدولة؟

أما الاحتمال الثاني فيتمثل في قيام الجيش بإبعاد النظام الحالي عن الحكم واختيار جنرال جديد ليكمل الخطة التي رسمها الجيش في يوليو/تموز 2013، لكن هل بإمكان الجيش إقناع الغالبية العظمى من الشعب بأنه قادر مرة أخرى على إدارة البلاد، خاصة بعد التجربة السياسية الفاشلة التي خاضها على مدار ثلاث سنوات؟

الواقع فقط يظهر أن الظهير السياسي للجيش كمؤسسة سياسية - وليس كمؤسسة عسكرية - قد وصل إلى أدنى درجاته منذ عام 1952.

فلا يتبقى أمام الجيش إلا الاحتمال الثالث وهو خلع النظام وتسليم السلطة إلى إدارة مدنية منتخبة بصلاحيات كاملة مع ترك أمر اختيار الحاكم للإرادة الشعبية، وتفرغ الجيش تماماً لحماية الحدود والدفاع عن أرض الوطن كأي مؤسسة من مؤسسات الدولة.

هذا الطريق وحده هو الكفيل بإحداث حالة من الاستقرار السياسي وحل الأزمات الاقتصادية، كما أنه هو السبيل لإبعاد الجيش عن مواجهة الشعب.

لكن هناك الكثير من العقبات والعراقيل التي تقف في طريق هذا الاحتمال، على رأسها القصاص وتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطات المدنية والكثير من العقبات الأخرى.

لكن إذا لم يدرك الجيش خطورة المرحلة التي تعيشها الدولة، وإذا لم يغلب مصالح البلاد على المصالح الشخصية، فالبديل هو الفوضى بعينها؛ لذلك لا بد أن تخرج مصر من أزمتها الراهنة بالحفاظ على تماسك الجيش والدولة والحفاظ على أمن وأمان الناس بأقصى قدر مستطاع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.