المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

مَن للإسلام إن لم تكن مصر؟

تم النشر: تم التحديث:

وسط حالة الضعف والوهن السائدة في العالم الإسلامي، لا يزال المسلمون في كافة أرجاء المعمورة يترقبون بشغف شديد أن تفيق مصر من غيبوبتها الطويلة لتعود إلى قيادة الأمة العربية والإسلامية نحو أمجادها الغابرة، فلن تكون هناك صحوة للأمة إلا بحواضرها التاريخية، وعلى وجه التحديد مصر والشام. فعلى مدار التاريخ الإسلامي العتيق، لعبت مصر دوراً بارزاً في الذود عن الإسلام والمسلمين في شتى أصقاع الأرض، فكانت بحق كنانة الله في أرضه.

مصر قالت "واإسلاماه" في وجه التتار على لسان قائدها المظفر سيف الدين قطز في عين جالوت، حينما لم تكن هناك بقعة آمنة على وجه الأرض للمسلمين؛ مصر نادت "واأقصاه"، فخرجت برايات صلاح الدين الأيوبي في حطين حتى طهرت القدس من دنس الصليبيين؛ مصر خرجت لرد الاعتداء والدفاع عن شرف الأمة العربية والإسلامية ضد الصهاينة في أكتوبر/تشرين الأول 1973، مصر جددت الخلافة العباسية بعد سقوطها في بغداد، مصر قِبلة العلم بأزهرها الشريف وجنة الله في أرضه بنيلها الخالد، فمَن سوى مصر يقف على ثغور الإسلام ويدافع عن حَرم المسلمين؟!

بدأت رحلة مصر مع الإسلام قبل الفتح حينما تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم لها فقال: "ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً، فإذا رأيت رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها"، فكان الفتح المبارك لمصر على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقرابة عقد من الزمان. ليس هذا فحسب، بل شرف الله مصر بذكرها في بعض آيات القرآن الكريم ليكون اسمها خالداً أبد الدهر، ومنها قوله تعالى: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".

عاشت مصر في كنف عصر الخلافة الراشدة آمنة مطمئنة وكانت بمنأى عن الصراعات والخلافات التي اجتاحت المسلمين في نهاية تلك الخلافة الراشدة. وظل الوضع كذلك في عصر الخلافة الأموية وبداية العصر العباسي الأول، بل يزيد على ذلك أن مصر كانت قاعدة للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا، فمنها انطلقت الجيوش لتنشر الإسلام في المغرب العربي حتى عبرت الفتوحات الإسلامية المحيط الأطلنطي لتصل إلى شبه الجزيرة الأيبيرية أو الأندلس.

في أواخر الخلافة العباسية، برزت مصر كإمارة قوية بين الإمارات الإسلامية المختلفة نظراً لاتساع رقعتها وخيرها الوافر، فكانت مطمعاً للقادة والأمراء الراغبين في تأسيس ممالك إسلامية عائلية، فأصبحت مصر موطناً لحكم الطولونيين والإخشيديين لفترات قصيرة، إلى أن وجد الفاطميون ضالتهم في مصر لتكون مركزاً لخلافتهم الشيعية. ورغم عدم رضا المصريين عن الحكم الفاطمي الشيعي، فإن مصر شهدت في تلك الفترة نهضة حضارية وثقافية ضخمة باعتبارها حاضرة الدولة الفاطمية.

بعد فترة وجيزة، احتاجت الحملات الصليبية العالم الإسلامي حتى تمكنت من رفع الصليب على أبواب مدينة القدس الشريفة، فنهضت مصر ومن قبلها الشام في الدفاع عن ثالث المقدسات الإسلامية ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث خرج صلاح الدين من الشام قاصداً إنقاذ مصر من الصليبين؛ ليعيد الخروج من مصر مرة أخرى بعدة فترة وجيزة بجيش عرمرم متجهاً إلى القدس ليحررها من الصليبين. ولم تمض الأيام حتى تعرض العالم الإسلامي لهجمات التتار فسقطت الخلافة العباسية في بغداد وسقطت الشام بعدها، فلم يجد المسلمون ملجأ وملاذاً إلا مصر، فلم يكن منها إلا أن وقفت ونادت بأعلى صوتها معلنةً الجهاد لإنقاذ الإسلام والمسلمين حتى تحقق لها النصر في عين جالوت. ولم تلبث مصر حتى خرج سلطانها ركن الدين بيبرس ليطهر الشام من بقايا الصليبين.

كانت مصر على مدار تاريخها الإسلامي العريق عزاً للإسلام وحصناً حصيناً للمسلمين تحمي الحمى وتلبي النداء وتقف في وجه الأعداء؛ تدفع البلاء وتطعم وقت الكرب وتغيث وقت اللهفة وتؤمن وقت الخوف. فإن نسي حكامها قدرها وعزتها، فالماضي حاضر والتاريخ باقٍ والذكر خالد. ومَن سوى مصر تعول عليه الأمة الإسلامية في استرداد القدس والدفاع عن مقدسات الإسلام وحرمات المسلمين؟!

لكن يا للحسرة، مصر الآن مريضة بمرض عضال يفرق جمعها ويشتت مقصدها ويكاد يذهب بتاريخها وحضارتها التي ظلت شامخة على مدار العصور والأزمان. مصر تعاني من داخلها، أناس منها ولدوا فيها ولم ينتموا إليها يوماً ما؛ أناس ينهبونها ثم يدعون حبها ليلاً ونهاراً؛ أناس مردوا على النفاق خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً يحسبهم الجاهل منها وهم لم ولن يكونوا منها أبداً. فعسى الله أن يفك كربها، ويلم شملها، ويوحد كلمتها قريباً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.